لم يكن محمد دحلان ملاكًا في السياسة، لكنه كان بلا شك أحد أكثر من دفعوا ثمنها ظلمًا وتشويهًا وإقصاءً. وبين ما ظُلِم به وما أخطأ فيه، اختار الصبر، وفضّل فتح أبواب الحوار على منطق الكسر، مؤمنًا بأن القضية الفلسطينية أكبر من الخصومات، وأن الشراكة الوطنية ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية. وقد تجلّت هذه القناعة مبكرًا في مواقفه الداعمة لخيار التوافق الوطني، وكان له دور إيجابي في الإسهام بتهيئة المناخ السياسي الذي أفضى إلى توقيع اتفاق مكة عام 2007، وما ترتّب عليه من تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، إدراكًا منه آنذاك لخطورة الانقسام الداخلي، ووعيًا بأن إدارة الخلاف بالتوافق، مهما كانت كلفته، تبقى أقل ضررًا على المشروع الوطني من الصدام المفتوح.
هذه المقاربة وحدها كافية لفهم مسار رجل تعرّض، على امتداد سنوات طويلة، لحملات قاسية تجاوزت حدود الخلاف السياسي المشروع إلى محاولات ممنهجة للعزل والإقصاء والتشويه. لقد جرى تحميل دحلان مسؤوليات تفوق حجمه الفعلي، وتحويله إلى “شماعة” تُعلّق عليها إخفاقات النظام السياسي الفلسطيني، في ظل بيئة مغلقة لا تحتمل النقد ولا تسمح بالمراجعة، وسلطة اعتادت إدارة الخلاف بمنطق الإقصاء لا الشراكة.
ولم تكن تلك الحملات وليدة لحظة انفعال، بل جزءًا من مسار طويل استهدف تحييد الرجل سياسيًا وإبعاده عن المشهد العام، عبر ماكينة إعلامية نشطة، وأدوات ضغط سياسية وتنظيمية لا تخفى على المتابعين. ورغم قسوة الأذى السياسي والشخصي، اختار دحلان، في محطات مفصلية، طريق الصبر وضبط النفس، وتجنّب الانزلاق إلى معارك داخلية مفتوحة، مدركًا أن كلفة الصدام لن تقع على الأفراد وحدهم، بل على المشروع الوطني الفلسطيني برمّته.
لم يكن هذا الصبر تعبيرًا عن ضعف أو انسحاب، بل خيارًا واعيًا يستند إلى قراءة دقيقة لموازين القوى، وإدراك عميق لخطورة تعميق الانقسام في ظل احتلال يتغذّى على الشروخ الداخلية ويُحسن استثمارها. ومن اللافت أن هذا الصبر لم يتحول إلى انكفاء أو عزلة، بل رافقه انفتاح سياسي محسوب، تجلّى في محاولات جادة لفتح قنوات تواصل مع مختلف الأطراف الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس، رغم إرث ثقيل من الخصومة والصدام.
في عام 2017، شكّل لقاء دحلان وفدَ قيادة حركة حماس برئاسة يحيى السنوار في القاهرة محطةً سياسية بالغة الدلالة، حملت رسالة واضحة مفادها أن الخلاف، مهما بلغ حدّه، لا ينبغي أن يغلق أبواب الحوار، وأن المصلحة الوطنية العليا تقتضي البحث عن مساحات مشتركة، خاصة حين يكون الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، هو من يدفع الثمن الأكبر. لم يكن هذا الانفتاح مناورة ظرفية أو خطوة تكتيكية عابرة، بل تعبيرًا عن قناعة راسخة بأن الصراع الداخلي لم يكن يومًا في مصلحة الفلسطينيين، وأن إدارة الخلاف بعقل بارد، وبمنطق المصالح لا الثأر، هي المدخل الحقيقي لتخفيف المعاناة وقطع الطريق على مشاريع التفتيت والإضعاف.
وفي السياق ذاته، برز الدور الوطني الذي اضطلع به دحلان في جسر هوّة الخلاف بين مصر وحركة حماس، مستفيدًا من شبكة علاقاته الإقليمية، ومن فهمه العميق لتعقيدات الحسابات الأمنية والسياسية في المنطقة. وقد أسهم هذا الدور، في لحظات انسداد سياسي حاد، في تخفيف التوتر وفتح نوافذ للحوار، وتسهيل ملفات إنسانية وأمنية، بعيدًا عن الأضواء، وبمنطق يوازن بين الاستقرار الإقليمي والمصلحة الفلسطينية.
أما داخليًا، فقد ظل دحلان من أبرز الأصوات المنتقدة لسياسات الاستفراد بالسلطة، وتهميش المؤسسات، وتآكل الشراكة الوطنية. ودافع باستمرار عن احترام قوانين العمل الديمقراطي، وتجديد الشرعيات، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، باعتبارها الأساس لأي نظام سياسي سليم. وفي نظره، لم تكن أزمة النظام السياسي الفلسطيني ناجمة فقط عن الاحتلال وضغوطه، بل عن خلل داخلي عميق تمثّل في تغوّل السلطة التنفيذية، وتحويل الخلاف السياسي إلى أداة للعقاب والإقصاء.
ومن هذا المنطلق، جاءت ولادة التيار الإصلاحي الديمقراطي، لا بوصفه انشقاقًا عن حركة فتح، ولا كمغامرة تنظيمية طارئة، بل كردّ فعل طبيعي على ممارسات دكتاتورية تشكّلت في رأس هرم السلطة، وأفرغت الحركة من مضمونها التاريخي ودورها القيادي. لقد مثّل التيار محاولة جادة لتصويب المسار، واستعادة فتح كحركة تحرر وطني جامعة، تقود ولا تُقصي، وتحتكم إلى النظام الداخلي والمؤسسات، لا إلى المزاج السياسي والولاءات الشخصية.
ختامًا، إن إنصاف محمد دحلان اليوم ليس مسألة رأي، بل مسألة عدالة سياسية وأخلاقية. لقد تعرّض لحملات ظالمة وقاسية، جرى فيها الخلط المتعمّد بين الخلاف والتخوين، وبين النقد والتآمر، في محاولة لإقصائه ومحو دوره. غير أن امتحان الحقيقة جاء مع إبادة غزة ونزوح أهلها، حيث سقطت الأقنعة وبقي الفعل شاهدًا.
هناك، في قلب المأساة، كانت وقفته واضحة لا لبس فيها: دعمٌ مباشر للعمل الإغاثي والإنساني، حضورٌ بين النازحين، ومساندةٌ للمنكوبين بعيدًا عن الضجيج والادّعاء. تلك الوقفة ليست دعاية ولا مناورة، بل شهادة براءة وطنية تُدحض عمليًا كل الاتهامات، وتؤكد أن الانتماء الحقيقي يُقاس بالفعل وقت الشدة.
وفي ميزان المحن الكبرى، لا يبقى إلا من وقف مع شعبه، أما حملات التشويه فتتلاشى أمام حقيقة واحدة: أن من اختار الإنسان في زمن الإبادة، فقد اختار الوطن دون مواربة. نعم، قد ينتصر الظالم لحظة، لكن التاريخ لا يمنحه البراءة؛ فالظلمُ مرتعه وخيم. وقديمًا قالوا:
وما من يدٍ إلا يدُ الله فوقها…
ولا ظالمٍ إلا سيُبلى بأظلمِ.


