تُواصِل الحكومة الإسرائيليّة تُعميق ضمّها للضفة الغربية، وأقرّت إجراءاتٍ لتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، فيما سيُناقِش رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو، غدًا الأربعاء، الملف الإيرانيّ مع الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب في واشنطن، وذلك في سابع اجتماعٍ له مع ترامب منذ كانون الثاني (يناير) من العام 2025.
وتتصاعد التوترات في إيران لتتحول إلى صراعٍ على النفوذ بين إسرائيل ودول المنطقة. وتتحد تركيّا والدول العربية الآن حول هدفٍ ملحٍّ: وقف الحرب والتحالف بين إسرائيل وترامب، فيما تدرك طهران، التي سبق أنْ تصادمت معها، أنّ قدرتها على الضغط على واشنطن قد تُزيل هذا التهديد، وفق المُستشرق تسفي بارئيل في (هآرتس) العبريّة.
وكان ترامب قد صرّح يوم الجمعة بأنّ المطلب الأساسيّ لواشنطن هو منع إيران من تطوير أسلحةٍ نوويّةٍ، وأشار إلى أنّ حلّ الملف النوويّ وحده سيكون كافيًا. ووفقًا لموقع (أكسيوس)، طالب نتنياهو بأنْ يتضمن أيّ اتفاقٍ أمريكيٍّ إيرانيٍّ قيودًا على الصواريخ الباليستيّة الإيرانيّة، وإنهاء الدعم الإيرانيّ للقوات الإقليميّة المتحالفة معها.
وفي هذه العُجالة، قال كبير المحللين السياسيين، ناحوم بارنيع، في صحيفة (يديعوت أحرونوت) العبريّة: “سيستخدم نتنياهو كلّ كلمات الإطراء التي اعتاد عليها، ولن ينسى تشويه سمعة الرئيسيْن السابقيْن وتقصيرهما، أيْ بايدن وأوباما، هذا هو المعتاد في بلاط دونالد ترامب، من لا يُطري، يُصبح زيلينسكي”.
وشدّدّ المُحلِّل، الذي يعتمِد على محافل سياسيّةٍ وازنةٍ في تل أبيب على أنّ “المهمة التي يُواجهها نتنياهو بالغة الصعوبة، لكن هذه المرّة لن يكفي الإطراء، فهو يطلب من ترامب أنْ يتصرف ضدّ حدسه، وضدّ رؤية حركته وميول ناخبيه، وضدّ ضغوط شركائه في الشرق الأوسط، وضدّ المعلومات التي تلقاها من مبعوثيه على الأرض، المخاطر معروفة، والمجد ليس مضمونًا”.
وتابع: “مع ذلك، يُلمّح نتنياهو إلى أنْ يُغامر ترامب. الفوائد التي يُمكن أنْ تجنيها إسرائيل من هجومٍ على إيران واضحة: سيتّم تدمير أنظمة إنتاج الأسلحة غير التقليديّة والصواريخ؛ وسيُضعف النظام؛ وربّما سيضعف أيضًا دافعه للاستثمار في الوكلاء، التكلفة أقل ما يُتحدث عنها: كان الهجوم على إيران في حزيران (يونيو) الفائت مثيرًا للغاية، وبارعًا، ومُعززًا للمعنويات، لدرجة أنّه أنسى المرء الثمن الباهظ الذي دفعه المواطنون الإسرائيليون بأرواحهم وأجسادهم وممتلكاتهم وجهودهم العلمية”.
ولفت المحلل إلى أنّه “سيتعيّن على نتنياهو إقناع ترامب بأنّ عمليةً أخرى ستتفوق على سابقتها في نتائجها وعظمتها، وستنتهي في غضون أيامٍ قليلةٍ، ولن تفيد إسرائيل فحسب، بل ستعود بالنفع، قبل كلّ شيءٍ، على ترامب وانتخاباته النصفيّة في الكونغرس”.
وأوضح: “سيتعيّن عليه إقناعه بأنّ النظام الإيرانيّ لا يختلف عن النظام في فنزويلا، الذي كان إسقاطه أعظم إنجازٍ في سياسته الخارجية. في فنزويلا، أبرم مبعوث وكالة المخابرات المركزيّة صفقة مع نائبة الرئيس دولسي رودريغيز، منحتها أمريكا حريّتها وحافظت على حكمها، وفي المقابل تخلّت عن رئيسها واستقلال بلادها”.
وأردف المُحلِّل الإسرائيليّ: “هل الجمهورية الإسلامية الإيرانية مثل فنزويلا؟ ماذا مع الحرس الثوري؟ وماذا مع الملايين الذين ضحوا في حرب العراق؟ إقناع ترامب بأنّ إيران مستعدةً للاستسلام له في لمح البصر مهمة بالغة الصعوبة. في الماضي، كانت إسرائيل حريصة للغاية على تجنب إشعال حروب الآخرين. عندما اتهمتها جهاتٍ في أمريكا بالحرب المزعومة على العراق، نفت إسرائيل أيّ تورطٍ لها، الشخص الوحيد الذي دعا الأمريكيين إلى الحرب كان نتنياهو، ويتم نشر فيديو خطابه على الإنترنت، لكي يروه ويُرى”.
وأكّد بارنيع: “ها هو نتنياهو يسافر إلى واشنطن لدفع أمريكا إلى الحرب، هو وابن الشاه، رهانه ذو شقين: الأوّل، في حال فشله؛ والثاني، في حال نجاحه، وسيُورِّط ترامب في حربٍ لا تنتهي”.
ولفت في الخُلاصة إلى أنّه “نُشرت مؤخرًا مقالة في صحيفة (نيويورك تايمز) تصف موقف أنصار ترامب المعقد تجاه سياسته الخارجية الحازمة: فهم يُعجبون بإطرائه لحلفاء أمريكا في أوروبا، فهم يستحقونه، ويُعجبهم الحديث عن غزو غرينلاند، هذه هي أمريكا في أوج قوتها، كما يقولون، ويُعجبهم الاستيلاء على فنزويلا: لقد أريناهم، استعراض القوة نعم، والحرب لا، أولاً تستعرض قوتك، ثم تتفاوض، ترفعها وتخفضها، كما هو الحال مع الرسوم الجمركيّة، لا تُنقذ العالم، كما يقولون لترامب، بل استغله، في الواقع، يواجه نتنياهو مهمةً بالغة الصعوبة.”
في الختام نقول إنّ الحرب ليست انفجارًا مفاجئًا، بل قرارٌ باردٌ يُوقَّع بالحبر ويُنفَّذ باللحم الحيّ، والحرب حين تفقد الكلمات معناها، فيُترجِمها الأقوياء نارًا ويدفع ثمنها الضعفاء، كما أنّ الحرب لحظةُ عُريٍّ كاملة للحضارة؛ يسقط القناع ويبقى الوحش، والحرب هي عمليًا كذبةً كبرى تحتاج إلى آلاف الجثث كي تبدو مقنعةً، وهذا الكلام لا ينطبِق لا على ترامب وعلى نتنياهو، الذي يرى أنّ مهمته في واشنطن واحدةٌ ووحيدةٌ: إثارة الحرب ضدّ إيران لتحقيق مآربه الشخصيّة والسياسيّة، والسؤال، هل يخضع ترامب، الذي وصفه الفنّان البريطانيّ، روجر ووترز، بالمختّل عقليًا، هل يخضع لألاعيب رئيس الوزراء الإسرائيليّ، الذي قال عنه الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون: “لم أعد أستطيع رؤيته، إنه كذّاب”.


