السياسة الفلسطينية الجديدة القابلة للتطبيق تبدأ بالعودة إلى 7 أكتوبر..يزيد الصايغ

الثلاثاء 10 فبراير 2026 10:08 ص / بتوقيت القدس +2GMT
السياسة الفلسطينية الجديدة القابلة للتطبيق تبدأ بالعودة إلى 7 أكتوبر..يزيد الصايغ




تتجنب الرواية المحدثة التي قدمتها حماس عن هجومها في 7 أكتوبر السؤال حول أهدافها المحددة، لكن السياسة الفلسطينية تتطلب نقاشاً صادقاً حول هذا الموضوع بالذات.

في 25 كانون الأول/ديسمبر 2025، نشرت حركة المقاومةالإسلامية-حماس تقريراً عن ”الدوافع والسياقات“ التي دفعتهاإلى شن هجومها المدروس بعناية على السياج الحدودي لغزةوتوغلها في جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، وعن ”مسارالحرب على غزة“ في أعقاب ذلك. الوثيقة، التي تحمل عنوان ”روايتنا... طوفان الأقصى: عامان من الصمود وإرادة التحرير“،هي نسخة محدثة من التقرير السابق بعنوان ”هذه روايتنا.. لماذا طوفان الأقصى“ الذي نُشر في كانون الأول/يناير 2024.

تضع كلا الوثيقتين هجوم 7 أكتوبر في سياق المسار التاريخيلسلب الفلسطينيين أرضهم وإخضاعهم للاحتلال العسكريوالعنف الإسرائيلييْن منذ عام 1948، وفي سياق السكونوالتواطؤ الدولييْن في ترك الفلسطينيين لمصيرهم في مواجهةالاستيطان والحصار المستمريْن في الأراضي المحتلة عام 1967 ومنذ اتفاق أوسلو عام 1993. ومع ذلك، لا تقدم الرواية الكثيرمن الجديد، لا سيما فيما يتعلق بما سعت حماس حقًا إلىتحقيقه أو توقعت تحقيقه من خلال عملية ”طوفان الأقصى“. وهذا هو  أكثر ما يبرز في كلا الوثيقتين: فهما تتجنبان تمامًاالسؤال عن الأهداف الملموسة لـ ”طوفان الأقصى“،والافتراضات المحددة التي استندت إليها.

ما الذي سعى إليه أو توقع حدوثه حقًا المخططان العسكريانالرئيسان لـ 7 أكتوبر، يحيى السنوار ومحمد الضيف، من حيثتحقيق مكاسب ملموسة - مادية وسياسية - لمواطني غزة، إنلم يكن للفلسطينيين في بقية الأراضي المحتلة أو في الشتات؟من هنا تنشأ أسئلة أخرى حول كيفية تخطيطهم لتشكيل، إنلم يكن التحكم في، مسار الأحداث اللاحقة - هل اكتفوا بفكرة الاعتماد على احتجاز عدد كبير من الرهائن الإسرائيليين لاحتواءالتداعيات العسكرية الحتمية؟ وإلى أي مدى قاموا بتقييمسياسي هادف من أجل توقع ردود الفعل المحتملة ليس فقطمن إسرائيل، ولكن أيضًا من الفلسطينيين الآخرين والجمهورالعربي والحكومات العربية، وبنفس القدر من الأهمية، منالدول الغربية الرئيسة؟ بعبارة أخرى، هل كان هناك أي شيءآخر غير الاعتبارات التكتيكية والعوامل الفنية البحتة التيشكلت خططهم العسكرية؟

هذه الأسئلة وجيهة لأن هجوم حماس في 7 أكتوبر لم يكنانتفاضة مفاجئة وعفوية، بل كان ثمرة عامين من التحضيرالمنهجي. فمن المفهوم أن يكون للانتفاضة دوافع عاطفيةوأغراض غير واضحة وأشكال غير مكتملة، لكن ”طوفانالأقصى“ أثار إعجاباً واسعاً لأنه كان عكس ذلك تماماً: فقد تمالتخطيط له وتنسيقه عملياتياً بدقة متناهية. ومع ذلك، فقدعلّقت حماس، ومعها أيضًا الكثيرون الآخرون، أهمية كبرى علىتصوير 7 أكتوبر حصراً على أنه تعبير جوهري وشامل عنالمقاومة للظلم والمحو، بدلاً منه عملية عسكرية تهدف إلىتحقيق أهداف محددة وملموسة أو تحقيق نتائج عملية فيالوقت الحاضر وليس فقط البعيد.

تكمن مفارقة في هذا، نظراً إلى أن محمد الضيف نفسه كان أكثر تحديدًا بكثير حيال الأهداف في بثه في 7 أكتوبر 2023،حيث وصف ”طوفان الأقصى“ بأنه وسيلة لوقف السياساتالإسرائيلية الحالية ومحفز مباشر لانتفاضة فلسطينية فيالأراضي المحتلة وفي إسرائيل ولزحف جميع «القوى [والدول] العربية والإسلامية... لكنس هذا الاحتلال من مقدساتناوأرضنا». بالتأكيد، كانت هذه الأهداف طموحة للغاية من حيثالحجم والشمولية لدرجة أنها كانت بعيدًا عن الإنجاز في الواقع- إذ شكّلت قائمة من التطورات المأمولة التي من شأنها أنتشكل ”طوفاناً“ أوسع بكثير من هجوم 7 أكتوبر - ولكن كانالضيف مع ذلك صريحًا ومحددًا، وبهذا المعنى كانت أهدافهملموسة.

في المقابل، فإن الرواية الرسمية لحماس عن ”طوفان الأقصى“ تجعل أهدافها غامضة تمامًا. لأكثر من عامين منذ هجوم 7 أكتوبر، أدى القبول الشائع لهذا التجريد إلى تعطيل المناقشةاللازمة حول ما كان يهدف إلى تحقيقه من العملية، وأخفىمسألة ما إذا كانت قد حققت الأهداف التي كان يهدف إليهامخططوها أم لا، وبالتالي تجنب مسألة المسؤولية التي يجبأن تتحملها حماس عما حدث خلال ذلك اليوم المصيري وعننتائجه اللاحقة. ويشمل هذا ذلك مسألة إلحاق الأذىبالمدنيين وغير المقاتلين في جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر2023، على الرغم من أن هذه المسألة أيضاً تتطلب معالجتهابصراحة في أي نقاش حول ما فعلته حماس وما أغفلته، بل والأهم من ذلك، في النقاش حول استراتيجية التحرر الفلسطيني قادماً. 

منذ ذلك الحين، انحاز الكثيرون إلى فكرة أن المقاومة حق مطلق وبالتالي لا تقبل النقاش، مما أدى إلى استباق انتقاد حماس، ناهيك عن انتقاد عملية 7 أكتوبر. إن تجريد حماس من كونها تنظيم له تجسيد بشري مادي، الذي يحدث عندما تقوم هي نفسها وحيّز كبير من الجمهور بتحويلها خطابياً إلى ”المقاومة“، وهو مصطلح يرتبط ارتباطاً وثيقاً بعقيدتها الخاصة بـ”المقاومة المسلحة“، يجعل السياسة الفلسطينية تنفصل عن العالم الحقيقي، وبالتالي يمنع تعلم الدروس كما والتغيير الملموس. وللعودة عن هذا الوضع، لا بد من محاسبة الفاعلين السياسيين، ولا سيما حماس وخصمها فتح، على أساس أهداف قابلة للقياس ومعلنة وبرامج عملية وسلوكيات ملموسة ومعايير محددة. ولذلك، فإن السياسة الفلسطينية الجديدة القابلة للتطبيق يجب أن تبدأ برواية أكثر صدقاً لأحداث 7 أكتوبر.