جون كيري ويهودية إسرائيل! محمد ياغي

الجمعة 06 يناير 2017 09:23 ص / بتوقيت القدس +2GMT



 

هل يجهل حقاً جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، أن مطلب الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل هو من صناعة اليمين ـ الديني المتطرف فيها، وأن هدفه فقط الحصول على قول لا من الفلسطينيين لهذا المطلب حتى تتمكن حكومتهم من الاستمرار في ممارسة أكاذيبها عن رفض الفلسطينيين للسلام.
ألم يخطر ببال كيري وهو يلقي خطابه بأن المسائل المتعلقة بالاعتراف بإسرائيل قد تم حسمها قبل ما يقارب الثلاثة عقود. لقد طالبت الإدارة الأميركية منظمة التحرير بالاعتراف بالقرار ٢٤٢ العام ١٩٨٨ والذي ينص صراحة على حق كل دول المنطقة بالعيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها، وقامت المنظمة بالاعتراف بهذا القرار في مؤتمر الجزائر نفس العام. 
ولقد عقد مؤتمر مدريد للسلام العام ١٩٩١ على أرضية هذا القرار الذي قبل به الفلسطينيون. 
وأعادت المنظمة تأكيد اعترافها بإسرائيل بشكل صريح في رسائل الاعتراف المتبادلة في اتفاق أوسلو العام ١٩٩٣. 
لم يطلب حينها إسحاق رابين، رئيس وزراء إسرائيل، من المنظمة أن تعترف بإسرائيل كدولة يهودية، وحتى نتنياهو الذي أصبح رئيساً للوزراء بعد مقتل رابين العام ١٩٩٥، لم يطلب من المنظمة هذا الاعتراف. 
باراك، شارون، وأولمرت الذين تناوبوا على رئاسة الوزراء بعد نتنياهو، أيضاً لم يطالبوا بذلك.
مطلب الاعتراف بيهودية إسرائيل هو مطلب «التيار الديني ـ الاستيطاني المتطرف» الذي يقود إسرائيل منذ العام ٢٠٠٩. هذا التيار يدرك أن الفلسطينيين لن يقبلوا الاعتراف بهذا المطلب لأنه يعطي دولة الاحتلال ذريعة قانونية للتخلص من الفلسطينيين الذين يعيشون داخلها، ولأنه مسألة إشكالية له علاقة بالتاريخ: إذا اعترف الفلسطينيون بيهودية إسرائيل، فهذا يعني أن روايتهم للتاريخ خاطئة وأن الرواية الإسرائيلية له هي الأصوب. 
الإقرار بيهودية إسرائيل يعني الإقرار بأن ١٥٠٠ عام من الوجود الإسلامي والعربي في فلسطين كان على حساب حق اليهود في دولة لهم في فلسطين، وأن الصراع على فلسطين لم يبدأ منذ وعد بلفور العام 1917، وإنما منذ تمكن العرب من السيطرة على فلسطين في عهد الخليفة عمر بن الخطاب وربما قبلها. 
المسألة إشكالية، فيها مُطالبة للفلسطينيين بجلد ذاتهم وتاريخهم وتاريخ أمتهم، وفيها جوانب لها مخاطر قانونية على جزء من شعبهم.
من الطبيعي أن يُقحِم المتدينون الدين في السياسة، هذا ما تفعله «داعش» و»جبهة النصرة» في سورية ومعهما كل الحركات التكفيرية، وهو ما يفعله بالضبط التيار الديني ـ اليميني الإسرائيلي الذي يتمسك بالاستيطان في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية لدواعٍ دينيه. 
لكن أن يُقحِم الدين في السياسة سياسي بحجم كيري يدعي أنه علماني، وديمقراطي، فهذا أمر مُستغرب ومستهجن. 
لقد تمت مهاجمة الإخوان المسلمين في مصر والنهضة في تونس عندما طالبوا بتضمين دساتير بلادهم نصاً يقول إن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع. 
لقد تم اتهامهم بالتخلف، ومحاولة تقسيم مصر وتونس بين المؤمنين وغير المؤمنين، وبأنهم بذلك يبنون دولاً معادية لحقوق الإنسان، ومعادية للمواثيق الدولية، وهي اتهامات لم تكن في جوهرها خاطئة لأن الدول الدينية لا يمكنها أن تقيم العدل بين جميع مواطنيها حيث القوانين التي تطبق على المسلمين ليست هي نفسها التي تطبق على غير المسلمين.
كيري، ومن خلفه الحزب الديمقراطي، يرغبون في الحفاظ على تأييد الجالية اليهودية الأميركية لهم من خلال الادعاء بأنهم ليسوا فقط الإدارة الوحيدة التي أقرت أكبر رزمة مساعدات مالية وعسكرية لإسرائيل في التاريخ، ولكن الإدارة الوحيدة أيضاً التي طالبت الفلسطينيين بالاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية. 
يقول كيري إن هذا المطلب ليس جديداً وإنه في صلب قرار الأمم المتحدة رقم 181 والخاص بتقسيم فلسطين. 
لكن كيري يتغافل وعن قصد بأن القرار 181، قد أعطى الفلسطينيين 44٪ من بلدهم، بمعنى ضعف مساحة الأرض التي يصارع من أجلها الفلسطينيون اليوم. 
وأن القرار المذكور فيما لو قدر له أن ينفذ حين اتخاذه لكان قد جعل إسرائيل دولة خالية من الفلسطينيين العرب لأنهم كانوا سيتمتعون بدولتهم. لكن إسرائيل اليوم ليست كذلك: إسرائيل دولة خمس سكانها فلسطينيون. إذا أراد كيري حقاً أن تكون إسرائيل دولة «يهودية» وفق القرار 181، على المجتمع الدولي أن يعمل على تنفيذه وأن يعيد للفلسطينيين الأراضي التي أقرتها المنظمة الدولية لهم قبل سبعة عقود. لكن كيري لا يريد ذلك، هو يريد فقط الجزء المتعلق بيهودية إسرائيل في القرار المذكور، وهذا نفاق و»نَصب سياسي» غير أخلاقي من المستغرب أن يصدر عن إدارة تدّعي أن «المبادئ» و»القيم» لها دور في تحديد مواقفها السياسية.
لعل الأكثر بؤساً في مطلب يهودية إسرائيل هو أن إقرار الفلسطينيين به لا يعطيهم بشكل تلقائي دولتهم على كامل الأرض التي احتلتها إسرائيل منذ العام 1967، ولكنه في تقدير كيري، قد يفتح الطريق لمفاوضات سلام! 
لقد أقر الفلسطينيون مبدأ تبادل الأراضي لتسهيل عملية التفاوض بشأن المستوطنات. 
ولقد أقروا بمبدأ الدولة منزوعة السلاح لطمأنة إسرائيل بشأن أمنها. 
ولقد أقروا مبدأ أن حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين مشروط بموافقة إسرائيل على آلياتها، لكن ذلك كله لم يفتح شهية اليمين الإسرائيلي المتطرف لإنهاء الاحتلال. 
هل سيفتحها اعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل؟
كيري وإدارته يعلمان أن قرار حكومة نتنياهو هو منع قيام دولة فلسطينية وضم مناطق ج لإسرائيل. 
لماذا إذا التجني على الفلسطينيين ومطالبتهم بأكثر مما يستطيعون، ومصادرة حقهم المستقبلي في النضال من أجل دولة واحدة عندما يكون ذلك هو ما تبقى لهم.