قال صديقي، في حوار ساخن امتد لساعتين تقريباً: إن شرط الخروج من المأزق الفلسطيني المستفحل، لا يكون إلا بتغيير قواعد اللعبة السياسية التي أرسيت منذ اتفاق أوسلو، وبقيت تفعل فعلها إلى يومنا هذا، مضيفاً: إن إسرائيل تعمل على تثبيت الوضع الراهن لسيطرتها وتوسعها الكولونيالي إلى المستوى الذي لم يعد معه إقامة دولة فلسطينية أمراً ممكناً، في الوقت الذي يضعف فيه الشعب الفلسطيني وحركته السياسية ويتفكك ويشهد حالة من التآكل الداخلي.
وتابع: تستطيع إسرائيل الحفاظ على الوضع الراهن والاستمرار بالتوسع الاستيطاني وتعميق الاحتلال، بوجود سلطة تلتزم بقواعد اللعبة السياسية وتشكل غطاء لهذه العملية سواء اعترفنا بذلك أو أنكرنا. الحفاظ على الوضع الراهن مصلحة إسرائيلية بامتياز، فلماذا تحافظ السلطة على الوضع الراهن أيضاً؟
جاء تعقيبي بصيغة سؤال: بماذا تفسر حصول السلطة على اعتراف دولي «عضو مراقب»، وبالانضمام إلى الاتفاقات والمنظمات والمعاهدات الدولية؟ ألا يعني ذلك محاولة لتغيير قواعد اللعبة السياسية؟
قال صديقي: إن هذا لم يغير المعادلة وتستطيع إسرائيل تعطيل مفاعيله ورفضه من طرف واحد والتعايش معه على أقل تقدير طالما أن علاقات أوسلو ما تزال على حالها، أو وظائف السلطة لم تتغير، خاصة في ثلاثة مجالات:
الأول: التنسيق الأمني الذي يعني كبح أو احتواء كل مقاومة عنيفة أو انفجار شبابي ضد الاحتلال دون مقابل، وكانت السلطة في بداية تأسيسها قد عرفت ثمن التنسيق الأمني بإنهاء الاحتلال تدريجياً، وعندما استبدلت أو كشفت إسرائيل عن ذلك المقابل، التنسيق مقابل استمرار سيطرة السلطة على المواطنين والسماح لإدارة السلطة «بحرية» الحركة، هذا التغيير الخطير لم يناقش ولم يتم الاعتراض عليه، فقط لوحت السلطة «بوقف التنسيق الأمني».
الثاني: تقديم الصراع الإسرائيلي الفلسطيني باعتباره قيد الحل عبر عملية سياسية (مفاوضات ثنائية) باعتبارها الشكل الأوحد الذي سيأتي بالحقوق، وحتى عندما تتوقف المفاوضات يصار إلى الحديث عن إحيائها في قادم الأيام، ما يعني منح دولة الاحتلال ومعها الولايات المتحدة احتكار التحكم في العملية السياسية، وقد أخذ الاحتكار شكل تجميد الحل أو دفعه إلى هامش الاهتمامات.
المجال الثالث: قبول أو تعايش السلطة مع علاقات تبعية اقتصادية صارخة قلّ نظيرها «اتفاق باريس الاقتصادي»، تلك التبعية التي ساهمت وتساهم في إفقار وخنق السواد الأعظم من المواطنين.
وخلص صديقي إلى استنتاج مفاده بأن السلطة ضمن الوظائف المفروضة تحرر إسرائيل من أعباء احتلالها للأراضي الفلسطينية، وتمكنها من تحويل الاحتلال إلى مشروع رابح، فتحول بذلك دون الخروج من المأزق بل تساهم في مفاقمته، وتستطيع إسرائيل استنادا لذلك من تقويض حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني، ومن تعميق سيطرتها دون أن تدفع الثمن.
إذا كانت السلطة عائقاً كما تقول وأنا اتفق معك في الوظائف الثلاثة المعمول بها والمفروضة، فهل هذا يستدعي حلها؟ سألت صديقي الذي سارع بالموافقة، اعتقاداً منه أن صراع شعب مع الاحتلال في غياب السلطة سيكون بلا عوائق وأوهام.
قلت له: أغلب الظن وبحسب استراتيجية السيطرة الإسرائيلية والأطوار التي مرت بها، فإن دولة الاحتلال لن تعود للاحتلال المباشر للمدن والمخيمات والأحياء، فقد تلجأ إلى اعتماد وكلاء محليين ومراكز قوى كبديل لسلطة مركزية، وتستمر في الاحتلال عن بعد كما يحدث في قطاع غزة، وتستمر في السيطرة الأمنية بحسب التطورات كما يحدث الآن في مخيم شعفاط وكفر عقب والرام وقلنديا وغيرها. في هذه الحالة ستتحرر دولة الاحتلال من شبح دولة فلسطينية وتبعاته الدولية إلى غير رجعة.
وأضفت: لماذا لا نغير من وظائف السلطة في المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية آنفة الذكر، مستعينين بالقانون الدولي والشرعية والتأييد والدعم من أصدقاء الشعب الفلسطيني؟ لماذا لا ننتقل من مسار سياسي أدى إلى تعميق الاحتلال إلى مسار آخر بديل يحول الاحتلال إلى قضية خاسرة ويقترب من إنهائه؟ وهذه مسألة نضالية تحتاج إلى خوض معارك وكسب نقاط وقد يؤدي تغيير وظائف السلطة إلى مبادرة إسرائيل إلى حلها وهذا يخلق شروطاً أفضل لمتابعة النضال.
استفز صديقي من عرض تصوري وقال لي غاضباً: هذا كلام إنشائي وعمومي وهو جزء من الأزمة والمشكلة وليس جزءاً من الحل. إذن ما هو السبيل العملي والواقعي للخروج من المأزق من وجهة نظرك؟ سألت وقد اعتراني نوع من التوتر بعد إحساسي بأن موقفي أطيح به؟ أجاب صديقي موضحاً: الوضع بحاجة إلى خطوات عملية كوقف التنسيق الأمني، والشروع في برنامج للمقاطعة الاقتصادية الشاملة داخل فلسطين، وإذا كان الأمر يحتاج إلى تضحيات وتحمل الخسائر فلِمَ لا؟ كما أن اعتراف السلطة من طرف واحد بإسرائيل فقدَ كل مبرراته، واستشهد بحديث لصائب عريقات الذي قال: إن الرد الفلسطيني على قرار نقل السفارة الأميركية إلى مدينة القدس سيكون سحب الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل ووقف التنسيق الأمني وغير ذلك.
قلت: لا خلاف على تلك الإجراءات سواء نقلت السفارة أم لا، ولكن هناك مسألة مهمة لها علاقة بتحويل الاحتلال إلى قضية خاسرة، وهي مسألة غير مطروقة، عنوانها دور أصحاب الوكالات التجارية الإسرائيلية من كبار التجار، ودور كبار المقاولين الذين يعملون في مشاريع إسرائيلية في الأراضي المحتلة، إضافة إلى عمل أكثر من 120 ألف عامل فلسطيني داخل إسرائيل وفي المستعمرات المقامة في الأراضي المحتلة العام 67 وفي المناطق الصناعية.
قضايا كبيرة بعضها مسكوت عنه وبعضها مطروح باستحياء بحاجة إلى رؤية مترابطة الحلقات وآلية وحامل سياسي واجتماعي ومبادرات ملموسة وبدائل.
كاد صديقي أن يخرج عن هدوئه المعهود، فهو لا يطيق تلك المصطلحات ويرغب في تحريرها من عموميتها، بل يخشى من الانتكاس إلى الخطابة والأقوال غير المقترنة بالأفعال، وبدوري كدت الخروج من هدوئي لاعتقادي بأهمية تحديد الهدف المركزي وهو إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية بديلاً عنه، كي تصب المقاطعة والاحتجاجات الجماهيرية والعصيان المدني في خدمته ومن أجل تحقيقه.
وثمة قضية في غاية الأهمية، هي القوى التي ستأخذ على عاتقها المبادرة والعمل بتلك المهمات، فإذا كانت قيادة حركة «فتح» تعمل على مأسسة السيطرة على السلطة في الضفة الغربية، وحركة «حماس» تعمل على مأسسة سيطرتها على السلطة في قطاع غزة، وما تعنيه المأسسة من بقاء الوضع الراهن على حاله، وإذا كانت المعارضة بمختلف ألوانها لم تطرح بديلاً يدفع نحو استقطاب جديد، فمن الذي سيتولى مهمة التغيير وترجمة المهمات الكبيرة إذن؟ ألا يعني أنها ستبقى أقوالاً بلا أفعال؟
أجاب صديقي: إن مهمة طرح الأفكار وإقناع المواطنين باتفاقها مع مصالحهم مهمة منوطة بمثقفين أساساً.
وللحديث بقية.
Mohanned_t@yahoo.com


