وأخيرا، وقفت في طابور المتجنسين ووضعت يدي اليمنى على صدري وأقسمت يمين الإخلاص للعلم الأمريكي. لحظة لم أكن أتخيلها بل وقاومتها لنيّف وثلاثين سنة كان بإمكاني أن أقفها من قبل لكني بقيت أؤجلها حتى لم يعد مناص أمامي من مواجهة تلك الحقيقة التي تحمل شعورا مزدوجا بالخلاص من المعاناة من جهة والمرارة من جهة أخرى. كنت أحلم بعد وداع المنظمة الدولية أن أعود إلى وطن حر وعادل ومعافى من أدران الاحتلال والدكتاتورية والسلطوية والقبائلية والتخلف واضطهاد المرأة ومفتي السلاطين وصحافة الأمراء لأقدم تجربتي وحصيلة معارفي وخبرتي المتواضعة للأجيال الجديدة من على صفحات جريدة محلية أو مجلة أسبوعية أو من على منبر إحدى الجامعات العربية، لكنني تأكدت أن سنوات الغربة مستمرة فوجدت نفسي أحاضر في طلبة جامعة رتغرز الأمريكية وأنقل تجربتي من خلال صحيفة ’القدس العربي’ العزيزة على القلب والتي شهدت ميلادها عام 1989 وكنت أراجع ما تكتبه يوميا وألخصه للأمين العام السابق خافيير بيريز دي كوييار ثم من بعده بطرس غالي حيث كنت أقدم له ما تكتب الصحافة العربية عنه وعن المنظمة الدولية باللغة العربية لمدة خمس سنين. كنت أحد أبناء الجيل الحالم النقي المعتز بعروبته ووطنه وشعبه المناضل وبقيت مخلصا لتلك المبادئ. لكن الصدمة كانت أكبر من أن يتحملها الإنسان العادي مثلي وهو يرى هذه الشلل من الزعران واللصوص الكبار والمتآمرين وعديمي الضمير الذين وضعوا أيديهم في أيدي أعداء الوطن وتاجروا بالأمة وقضاياها وداسوا ثوابتها بأحذيتهم وأودعوا شرفاءها في ظلام الزنازين أو شردوهم إلى صقيع المنافي، يتحكمون في البلاد ورقاب العباد ويتقاسمون الغلة بينهم على حساب الوطن ومقدساته ويرفعون أصابعهم بلا مبالاة بإشارة الانتصار.كنت أحلم بوطن جميل حتى لو كان صغيرا، يرحب بأبنائه العائدين، لا أن يسيمهم أنواع العذاب والإهانة منذ اللحظة التي تدخل فيها نقطة العبور. كم مرة توجست الشر في عيون موظف المطار وأنا أقدم له جواز سفري العربي، حيث تفيض من عيونه التهم ومشاعر الحقد والشك، ثم يبدأ سيل الأسئلة التي لا معنى لها إلا انعدام الثقة وغياب الاحترام . كم مرة أخذ جواز السفر العربي وطلب مني أن أراجع المكتب الخاص بالتحقيقات أو دائرة المخابرات لاستعادته بعد ألف سؤال. وأذكر أن رفيقي في إحدى السفرات رفض أن يدخل رزمة من الدولارات طيّ صفحات جواز السفر، فتِأخر عن السفر ثلاثة أسابيع، أما أنا فلأنني كنت مرتبطا بعمل رسمي ولا بد من الرجوع على الوقت لحست شيئا من كرامتي ووضعت الرزمة فأطلق سراح جواز السفر.وفي مرة كنت على موعد مع وكيل إحدى وزارات الإعلام في دولة خليجية. وكنت أمثل الأمم المتحدة لا دولة بعينها. وكان ذلك الموظف يصر أن يعرف جنسيتي الأصلية. وأصرت مديرة مكتب الأمم المتحدة التي رتبت اللقاء، وهي من نفس البلد، أن هذا السؤال مرفوض وقالت إن الزائر يمثل منظمة دولية لا بلدا بعينه وسيلتـقي بك بهذه الصفة، وهددت بإلغاء اللقاء والاتصال بالوزير مباشرة. وبعد ربع ساعة هاتف مكتب وكيل الوزير ليؤكد على الموعد. وكان أول سؤال يسأله بلهجة ثقيلة تنم عن جهل وضغينة ’حضرتك من وين؟’.المعاناة المزدوجةالمعاناة ليست مقصورة على المطارات ونقاط الحدود العربية، فالحال ليس بأحسن في المطارات الأوروبية والأمريكية. فأنت متهم أصلا من حيث الشكل ومن حيث الاسم ومن حيث جواز السفر. قبل صعود الطائرة يتم الانتحاء بك جانبا لتنهال عليك الأسئلة وكأنك مجرم حقيقي على وشك أن ترتكب عملية إرهابية. وعندما تصل إلى مطارات الولايات المتحدة فمعاملتك تختلف دائما عن الآخرين وخاصة مع بعض الموظفين العنصريين وهم كثر. في كل مرة يتم أخذ بصمات أصابعك العشرة ويطلب الموظف منك أن تنظر إلى عين الكاميرا الصغيرة لالتقاط صورة تضاف إلى الملف. ثم يتم تفتيش صفحات الجواز صفحة صفحة لالتقاط ختم من بلد لا تكن له الولايات المتحدة أي احترام ليبدأ التحقيق في أسباب زيارة ذلك البلد. وفي مرة شاهد الموظف الساذج خاتم ’إمارة أفغانستان الإسلامية’ فوجدت صعوبة في شرح أسباب زيارتي الرسمية لأفغانستان بعد ثلاثة أيام من انتهاء الحرب ولم يكن بوسع الحكومة المؤقتة أن تغير الأختام بعد فختموا جواز السفر بختم إمارة المُلا عمر، مثلما تعامل الأمريكان في أول أيام احتلال العراق مع عملة عليها صورة الرئيس صدام حسين وطبعوا منها المزيد.إذن ’على أي جانبيك تميل’؟ جواز سفر عربي، أينما حللت فالريبة والعيون المتشككة تلاحقك. لا تلقى الاحترام لا في الوطن العربي ولا في البلد الذي تعيش فيه ولا في المطارات التي تمر منها. طلبات التأشيرة تستغرق أسبوعين أو ثلاثة وقد لا تمنح أبدا، وبصمات الأصابع تتكرر مع كل عبور لأحد موانئ الولايات المتحدة وحدودها. من المسؤول عن هذه الوضعية التي وصل إليها العربي العادي؟ فإذا كان الوطن لا يحترم أبناءه فكيف نلوم الأجانب ونقيم الدنيا ونقعدها على التمييز الذي يتعرض له أبناء الجاليات العربية. كم من نظام عربي حاول الدفاع عن أبنائه الأبرياء المعتقلين في السجون الأمريكية والأوروبية؟شريط الذكريات هذا مر ببطء في مخيلتي وأنا أنتظر في الصالة الفسيحة مع نحو مئتين من مختلف الأعراق والألسن. وصلت إلى قناعة بأن هذه الخطوة ضرورية ولا بد منها عاجلا أو آجلا. تخيلت نفسي وأنا في أحد المطارات العربية وأقدم جواز السفر الأمريكي كيف سترتسم الابتسامة على شفتي الموظف وما هي عبارات الترحيب الصادقة التي سيطلقها. بل وتخيلت نفسي أزور دولا عربية كنت أتحاشى زيارتها من قبل أو كانت تأشيرتها شبه مستحيلة، فأدفع بكل ثقة جوازي الأمريكي للموظف ’الغلبان’ فيقول لي وتباشير الترحيب تملأ وجهه ’تفضل يا سيدي’. Welcome SIRالآن أصبحت سيدا؟ وقبل شهر كنت بلطجيا؟ رحم الله شاعر النيل عندما قال:أمة قد فت من عزتها كرهها الأهل وحب الغرباكما تخيلت نفسي وأنا أقدم الجواز الأزرق لموظف الهجرة في مطار نيويورك لينطق بعبارة واحدة وحيدة:Welcome home ’أهلا في بلدك’ وصل موظف دائرة الهجرة وطلب من الجميع الوقوف وقال رددوا ورائي هذا القسم. رددنا فعلا وقال لنا: مبروك على حصولكم على الجنسية الأمريكية. أنتم الآن مواطنون أمريكيون. وسلمنا ملفا يحمل شهادة الجنسية وبداخله رسالة موقعة من الرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما يهنؤنا فيها بالحصول على الجنسية. يقول في الرسالة: ’منذ إنشاء هذه البلاد، وصلت أجيال من المهاجرين يملأها أمل بمستقبل أكثر إشراقا، وقدموا العديد من التضحيات التي جنى ثمارها أبناؤهم وأحفادهم. نحتفل بك الآن كمواطن جديد في بلدنا ونرحب بك كواحد من العائلة الأمريكية الكبيرة’.اتصلت هاتفيا بابني وقلت له ساخرا: الفرق بيني وبينك الآن أنك مؤهل أن تصبح رئيسا للولايات المتحدة لأنك من مواليد هذه البلاد أما أنا فمحروم من هذا الحق.’ أستاذ جامعي وكاتب مقيم في نيويورك