في ظلّ استمرار العدوان الأمريكيّ الإسرائيليّ ضدّ طهران، وتزايد الحديث عن السعي في واشنطن وتل أبيب، نقلت صحيفة (معاريف) العبرية عن مسؤولٍ إسرائيليٍّ قوله إنّ هدف الكيان هو “سحق جميع منشآت النظام وغيرها في إيران خلال الأسبوعين القادمين”، على حدّ تعبيره، وفي العجالة عينها، نقل موقع (أكسيوس) عن مسؤولٍ إسرائيليٍّ رفيعٍ أنّ الهدف من الهجمات الإسرائيليّة على إيران هو تهيئة الظروف اللازمة لإسقاط النظام الإيراني، من خلال استهداف القيادة السياسيّة والعسكريّة بأكملها، وليس مجرد ضرب أهدافٍ عسكريّةٍ تقليديّةٍ.
مفهوما الهزيمة والاستسلام غيرُ موجوديْن في القاموس الإيرانيّ
إلى ذلك، أكد المُستشرق الصهيونيّ والعقيد احتياط في جيش الاحتلال الاسرائيليّ، د. موشيه إلعاد، أنّ مفهوميْ الهزيمة والاستسلام غير موجودين في القاموس الإيراني – الشيعي، مشيرًا إلى أنّ القيادة الإيرانيّة تتعامل مع التهديدات الأمريكيّة بمنطقٍ ثوريٍّ-بقائيٍّ لا يستند إلى الحسابات التقليدية للكلفة والمنفعة.
وفي مقال له نشرته صحيفة (معاريف) العبريّة، قال إلعاد إنّ “هناك فجوة إدراكية عميقة بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإيران، مضيفًا “ترامب كان يتوقع أن يحقق الضغط السياسي والاقتصادي نتائج ملموسة تؤدي إلى تراجع الطرف الإيراني، لكن القيادة الإيرانية ترى أن أيّ استسلام سيكون خطرًا وجوديًا يهدد استمرار النظام”، واعتبر أن مجرد الصمود في مواجهة قوة عظمى يعد شرطًا للبقاء، لافتًا إلى أن إيران لا تتعامل مع الأزمة كحادث مؤقت بل كصراع أيديولوجي مستمر منذ الثورة الإسلامية عام 1979.
المعاناة الاقتصاديّة وحدها لا تُسقِط الأنظمة
وتابع “الولايات المتحدة تفرض عقوبات اقتصادية بهدف إجبار إيران على التراجع، لكن التجربة التاريخية تظهر أن المعاناة الاقتصادية وحدها لا تُسقط الأنظمة، فقد تحمّل الشعب الإيراني التضخم الكبير، وانهيار قيمة الريال، وارتفاع معدلات البطالة، معتمدًا على المبادئ الثورية والدينية التي تعتبر الصمود دليلاً على صحة النهج”.
كما شدد إلعاد على أن الردع الإيراني يختلف جذريًا عن المفهوم الأمريكيّ للقوة، وأنّ الطرفين يتحدثان لغتيْن مختلفتيْن فيما يخص استخدام القوّة، ما يجعل أيّة محاولة لفهم أو تغيير السلوك الإيرانيّ عبر المنطق الأمريكيّ التقليدي غير فعّالة.
وأشار إلى أن واشنطن بدأت تدريجيًا بفهم استراتيجية الاستنزاف الإيرانية، إلا أن إيران مستمرة في مواجهة التهديدات الأمريكية عبر نهج يوازن بين الصمود الثوري والحفاظ على مصالحها الحيوية، مؤكدًا أن هذا النهج يجعل أي تغيير للنظام الإيراني صعب التحقيق عبر الضغوط الخارجية التقليدية.
الاحتجاجات الشعبية وحدها لا تكفي لإسقاط النظام دون انقسام القيادة العليا
وتابع قائلاً: “يُعزى الاستغراب من موقف النظام الحازم إلى سيطرة الإدارة الأمريكية الفعّالة على الأجهزة الأمنية، ولا سيما الحرس الثوري وقوات الباسيج، وقد أدركت الولايات المتحدة، ولا سيما تحت الضغط الإسرائيلي، أنّ الاحتجاجات الشعبية وحدها لا تكفي لإسقاط النظام دون انقسام في القيادة العليا”.
وشدّدّ المستشرق الإسرائيليّ على أنّ “الاحتجاجات التي أعقبت وفاة مهسا أميني عام 2022 كانت غير مسبوقة، لكنها باءت بالفشل بسبب غياب قيادة منظمة وانعدام الانشقاقات في الجيش، ففي ظلّ هذا النوع من الأنظمة التي تفتقر إلى النفوذ السياسي والأمني، سيجد الغضب الشعبي صعوبة في إسقاط الحكومة”.
وخلُص المستشرق الصهيونيّ إلى القول إنّه “إذا ما تمّ القضاء على زعيمهم علي خامنئي، فإنّ العوامل التي قد تُضعف النظام حقًا هي صراع على الخلافة حول خامنئي، وانقسام داخل النخبة أو الحرس الثوريّ، وتدهور الوضع الإقليميّ، ومزيج من الانهيار الاقتصاديّ والاحتجاجات المنظمة، وحده اجتماع عدة عوامل من هذه العوامل كفيل بإحداث شرخٍ حقيقيٍّ، وإسقاط النظام، وظهور قيادةً جديدةً”، طبقًا لأقواله.
القصف لا يُسقط نظامًا ولا توجد سابقة تاريخية وإيران ليست أفغانستان
إلى ذلك، قال البروفيسور مئير ليتباك، رئيس مركز الدراسات الإيرانيّة في جامعة تل أبيب لصحيفة (هآرتس) العبريّة: “القصف وحده لا يُسقط نظامًا. لا توجد لدينا سابقة تاريخية تثبت ذلك. لا بد من وجود تصدّعات من الداخل”.
وأردف: “بأنّ إيران ليست أفغانستان. معارضو النظام في إيران يميلون أكثر إلى العلمانية والغرب والديمقراطية”، و”هدفهم تغيير إيران باتجاه يرضي الغرب أكثر”. لكنّه يشير إلى معضلةٍ كبيرةٍ: كيف يمكن مواجهة الحرس الثوري والباسيج؟ لإسقاط نظامٍ عنيفٍ مثل الإيراني، تحتاج إلى سلاحٍ. لكن الـ 20 بالمائة الذين يدعمون النظام هم من يحتكرون أدوات العنف. التظاهرات السلمية وحدها لن تؤثر، إلّا إذا شعر النظام أنّه على وشك الانهيار”.
إسقاط صدّام حسين بالعراق سبب حربًا أهليّةً ما زالت تبعاتها موجودةً
أمّا البروفيسور بني ميلر، الخبير في العلاقات الدولية من جامعة حيفا، فأشار إلى أنّ “سجلّ هذا الهدف، أيْ تغيير النظام، ليس جيدًا تاريخيًا”، مُضيفًا أنّه حتى في الحالات القليلة التي نجح فيها تغيير النظام، “تسبّب ذلك بمشكلات أكبر ممّا كان قائمًا من قبل”. واستشهد بإسقاط نظام صدام حسين في العراق عام 2003 على يد الولايات المتحدة، وقال: “النتيجة كانت حربًا أهليّةً، وصعود جهات إسلامية جهادية متطرفة، وتغلغلًا إيرانيًا في العراق، وتشكيل المحور الشيعي الذي توجه له الآن الولايات المتحدة وإسرائيل ضرباتٍ قاسيةٍ”، كما يقول.
وقال البروفيسور حجاي رام، مؤرخ الشرق الأوسط من جامعة بن غوريون: “يمكن إسقاط أنظمة، وقد حدث ذلك سابقًا. لكن هل هو أمر مرغوب؟ بالتأكيد لا. نحن لا نتعلم الدرس، وفي النهاية نُفاجأ بنتيجةٍ كان يمكن توقّعها مسبقًا. سيناريو الفشل مكتوب سلفًا”. ولشرح ذلك لا يذهب بعيدًا، بل يعود إلى الانقلاب الإيرانيّ عام 1953، حين أُطيحت الحكومة الديمقراطية لمحمد مصدّق بتخطيطٍ أمريكيٍّ ودعمٍ بريطانيٍّ، وصعد الشاه إلى الحكم، قبل أنْ يُطاح به في الثورة الإسلامية عام 1979. ويقول: “الأمريكيون كانوا مسؤولين بذلك عن إقامة النظام الأكثر عداءً لأمريكا”.
الخطاب التصعيديّ لترامب تزامن مع إرسال مبعوثين للتفاوض حول النوويّ
هذا ونشرت صحيفة الغارديان البريطانيّة مقال رأي تحليليّ بعنوان “لا يستطيع أحد التنبؤ بكيفية تطور الحرب الأمريكية مع إيران” للكاتبين راجان مينون ودانيال آر. ديبيتريس.
ويعالج الكاتبان الحرب من منظور عدم اليقين والمخاطر غير المحسوبة واحتمالات الفوضى المتعددة. يوضح الكاتبان أنّ الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب بينما كان يوضح أسباب توجيه ضربة لإيران، قدم إطارًا واسعًا من الاتهامات للجمهورية الإسلامية تمتد إلى ثورة 1979 وقت اقتحام السفارة الأمريكية في طهران، و”دعم الإرهاب”، و”وحشية النظام تجاه مواطنيه”، ودعمه فصائل يُحمّلها مسؤولية مقتل جنود أمريكيين.
وتابعا: “العنصر المركزيّ في خطابه كان التحذير من خطر امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، رغم عدم وجود معلوماتٍ استخباراتيّةٍ مؤكّدةٍ حيال ذلك الأمر، بل وادعاؤه أنّها تقترب من امتلاك صاروخ قادر على بلوغ الأراضي الأمريكيّة”.
المفارقة، بحسب المقال، أنّ هذا الخطاب التصعيديّ تزامن مع إرسال مبعوثين إلى جنيف للتفاوض حول البرنامج النوويّ، قبل أنْ يعلن ترامب نفاد صبره ويتهم الإيرانيين برفض التعهد الصريح بعدم امتلاك سلاحٍ نوويٍّ، رغم تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي في 24 شباط (فبراير) بأنّ إيران “لن تطور أسلحة نووية تحت أي ظرف”.


