خبر : لماذا تحتاج امريكا لأن تغير سياستها تجاه العالم الإسلامي؟ .. بشير موسى نافع

الخميس 29 أبريل 2010 12:38 ص / بتوقيت القدس +2GMT
لماذا تحتاج امريكا لأن تغير سياستها تجاه العالم الإسلامي؟ .. بشير موسى نافع



منذ مطلع الستينات، على الأقل، ينظر القطاع الأكبر من الرأي العام العربي والإسلامي إلى الولايات المتحدة من منظار سلبي. بغض النظر عن العلاقات الأمريكية بالأنظمة العربية والإسلامية الحاكمة، اعتبرت الشعوب العربية والإسلامية السياسة الأمريكية سياسة منحازة للدولة العبرية وعدوانها المستمر على حقوق الفلسطينيين، وأنها سياسة تستبطن دوافع السيطرة والهيمنة.في بلدان عرفت بعلاقاتها الوثيقة مع واشنطن، كتركيا مثلاً، لم تعمل عقود من التحالف إلا على تعميق الشكوك في مصداقية السياسة الأمريكية. والحقيقة أن الموقف الأمريكي الداعم للدولة العبرية لم يكن العنصر الوحيد، وإن كان الأهم والأبرز، في تراجع أسهم الولايات المتحدة عربياً وإسلامياً؛ فقد ترسبت في تاريخ العلاقة سلسلة طويلة من العداءات واصطدام المصالح، ابتداء من التوتر الذي شاب علاقات الإدارات الأمريكية المتتالية بأنظمة الحكم القومية والتحررية، مروراً بدعم واشنطن التقليدي لأنظمة عربية وإسلامية مستبدة وفاسدة، وصولاً إلى الاعتقاد الواسع لدى الشعوب العربية والإسلامية بافتقاد السياسات الأمريكية إلى القيم العليا واستنادها المتزايد إلى المصالح الاقتصادية والأمنية الاستراتيجية البحتة.بيد أن الرؤية العربية والإسلامية السلبية للسياسات الأمريكية لم تصل مطلقاً إلى مستوى القتامة والعداء الذي وصلت إليه خلال العقد الأول من هذا القرن، عقد فترتي إدارة الرئيس بوش الرئاسيتين. عرفت العلاقة الأمريكية بالعالمين العربي والإسلامي لحظات سوداء من قبل، بالطبع، لعل أبرزها كان وقوف واشنطن إلى جانب الدولة العبرية خلال حرب حزيران (يونيو) 1967 التي انتهت باستيلاء الإسرائيليين على مساحات واسعة من الأراضي العربية وعلى مدينة القدس. ولكن ما شهدته العلاقات الأمريكية بالعرب والمسلمين خلال سنوات إدارة بوش الابن كان شيئاً مختلفاً تماماً. فمنذ توليها مقاليد البيت الأبيض، أظهرت إدارة بوش عدم اكتراث واضح بعواقب تفاقم الصراع غير المتكافئ في فلسطين، وتبنت سياسة تستند إلى منح الإسرائيليين فرصة كاملة لإيقاع الهزيمة بالانتفاضة الفلسطينية، بغض النظر عن التكاليف الإنسانية لمثل هذه السياسة. وما أن وقعت هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001، حتى تطورت سياسات إدارة بوش وخطابها إلى مستوى من الحرب غير المعلنة، بل والمعلنة أحياناً، ضد العرب والمسلمين.لم تنظر واشنطن بوش إلى هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) باعتبارها هجمة إرهابية تتحمل مسؤوليتها المجموعات التي خططت لها ونفذتها، بل باعتبارها شأناً عربياً وإسلامياً جمعياً، يضم الأنظمة والشعوب على السواء، ويتعلق بالقيم والمعتقدات والتاريخ والثقافة كما يتعلق بالسياسة. ولم يستهدف الرد الأمريكي تنظيم القاعدة والمجموعات المرتبطة به وحسب، بل واستهدف أنظمة ودولاً بأكملها، بعضها عرف بصداقته وتحالفه التقليدي مع الولايات المتحدة. بغض النظر عن مدلولات الخطاب وحمولته التاريخية، أعلنت واشنطن باختصار حرباً صليبية شاملة على العرب والمسلمين. لم ينظر إلى السياق السياسي الذي ولدت فيه القاعدة ونشأت فيه المجموعات التي ارتكبت الهجمات على واشنطن ونيويورك، بل أصبحت مناهج تعليم المسلمين، من مصر والسعودية إلى باكستان، محل اتهام. وسرعان ما استهدف حتى النص القرآني المقدس ذاته، في تبسيط ساذج وعدواني للعلاقة بين النصوص الكبرى والتاريخ. وجهت أصابع الاتهام إلى أغلب منظمات العمل الخيري الإسلامية حول العالم، وأخذت الآلة الأمنية والعدلية الأمريكية في تقويض الواحدة تلو الآخرة من مؤسسات الجالية الإسلامية في الولايات المتحدة، بما في ذلك المساجد ومدارس نهاية الأسبوع.وإلى جانب ذلك كله، انطلقت آلة الحرب الأمريكية لتصبغ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بالموت والدمار والاستهتار بالقيم والمشترك الإنساني. لم تكن حكومة طالبان من ارتكب الهجمات على واشنطن ونيويورك، بل ان طالبان سعت حثيثاً لبناء علاقات وثيقة بواشنطن، ولكنها حملت مسؤولية الهجمات على أية حال. وبدلاً من مطاردة القاعدة أمنياً واستخباراتياً، شنت الحرب على أفغانستان بأجمعها، أسقطت حكومتها، ووضعت كلها تحت سيطرة احتلال أجنبي متعدد الجنسيات. وبينما أعطيت حكومة شارون الضوء الأخضر لتحطيم عظام الفلسطينيين، بدأت الاستعدادات للحرب على العراق وإطاحة نظام حكمه واحتلاله، بغض النظر عما إن كانت له علاقة ما بأحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). ولم يكن خافياً أن غزو العراق واحتلاله كانا مقدمة لإطاحة أنظمة أخرى في الجوار، أو وضعها بالفعل في حظيرة السياسة الأمريكية. وكما كانت عملية غزو العراق قصيرة وقليلة التكاليف، أصبح الاحتلال طويلاً وباهظ الثمن، إنسانياً وعسكرياً ومالياً، للعراقيين والأمريكيين معاً. ومن الصعب فصل الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف 2006، والحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في نهاية 2008، عن مجمل سياسات إدارة بوش في العالمين العربي والإسلامي. انتهت الحرب كما هو معروف بهزيمة إسرائيلية فادحة في لبنان، وإخفاق لا يقل أهمية في غزة. في كلتا الحالتين، تعززت الرؤية العربية السلبية للسياسات الأمريكية، وتعزز موقع كل من حزب الله وحكومة حماس. أطاحت سياسة إدارة الرئيس بوش الابن بسمعة الولايات المتحدة عالمياً، وجعلت من أمريكا هدفاً للمظاهرات وحركات الاحتجاج في العالم بأجمعه. وفي المجال العربي الإسلامي، رسبت مرارة عميقة وعداءا ثقيل الوطأة. ولكن نتائجها الاقتصادية والاستراتيجية على الولايات المتحدة وموقعها في العالم كانت أخطر بكثير. خلال إدارة الرئيس بوش، التي كان يفترض بتوجهها الجمهوري المحافظ أن يقلص مصاريف الدولة، تصاعدت نفقات الحكومة الفيدرالية بسبب الحروب غير المحسوبة العواقب إلى درجات غير مسبوقة. وإلى جانب وصول انفلات النظام البنكي إلى ذروته، أوقع الدين المتفاقم العطب بالاقتصاد الأمريكي، ليجر معه اقتصادات أغلب الدول الغربية. والمشكلة أن أزمة الاقتصاد الأمريكي جاءت في وقت غير مناسب على الإطلاق؛ فبخلاف الأزمات الكبرى التي تعرض لها النظام الرأسمالي منذ بداية القرن التاسع عشر، عندما لم يكن للأنظمة الغربية الرأسمالية من منافس ملموس على المسرح العالمي، انفجرت هذه الأزمة والعالم يشهد صعود الصين الاقتصادي الحثيث، إلى جانب عدد آخر من اقتصادات المستوى الثاني في البرازيل والهند. ولكن ثمة ما هو أسوأ؛ فقد تمتعت الولايات المتحدة والقوى الغربية خلال سنوات الحرب الباردة بميزة ثقيلة الوزن على الاتحاد السوفياتي من خلال سيطرتها على مختلف المؤسسات التي تنظم حركة التجارة والمال والاقتصاد العالمية، حيث لم يمنح السوفيات مجرد العضوية. اليوم، تتحول الصين سريعاً إلى القوة الاقتصادية الثانية في العالم من على أرضية هذه المؤسسات وداخل أطرها. تفجير صراع اقتصادي ومالي ضد الصين سيؤدي بالضرورة إلى تقويض أسس المنظومة الاقتصادية العالمية، التي وضعتها الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية. في كل حالات النهوض الاقتصادي السابقة منذ ولادة الرأسمالية الصناعية، ترافق الصعود الاقتصادي بالسعي الحثيث للتحكم في أكبر قدر ممكن من مصادر الطاقة في العالم، وببناء عسكري متسارع. والواضح أن الصين الجديدة تسير على ذات النهج الذي سارت عليه القوى الغربية السابقة. بيد أن الصين ليست التحدي الوحيد الذي يواجه الولايات المتحدة. فبين 2003 - 2005، أطلقت إدارة بوش استراتيجية كاملة لحصار روسيا ودفع نفوذها الجيوبوليتكي إلى الخلف، مطيحة بحكومات جورجيا وأوكرانيا وقرغيزستان، إضافة إلى ضم دول البلطيق السوفياتية السابقة لحلف الناتو. لم تجرد هذه المكاسب روسيا من نطاق حمايتها في أوروبا والقوقاز ووسط آسيا وحسب، بل وضعت حلف الناتو على بعد أقل من مائة ميل من بطرسبرغ، مدينة روسيا الثانية ومسقط رأس بوتين، أيضاً. وما أن بدأت سياسة الحروب الأمريكية في التعثر، حتى سارعت روسيا إلى الرد في جورجيا، التي خسرت ثلث مساحتها؛ وخلال الأشهر والأسابيع القليلة الماضية في أوكرانيا وقرغيزستان؛ إلى جانب توقيع اتفاقية الاتحاد الجمركي مع بيلاروسيا وكازاخستان. في كل من هذه المواقع بالغة الأهمية لاستراتيجية حصار روسيا أو حمايتها، ليس من السهل التنبؤ بكيف يمكن أن يأتي الرد الأمريكي.بغض النظر عن جدل انحطاط القوة الأمريكية، الذي تحول مؤخراً إلى ما يشبه نبوءات العرافين، لم يعد أمام الولايات المتحدة من فسحة طويلة لإعادة النظر في استراتيجيتها العالمية. إن كان لا بد لواشنطن أن تواجه التحديات النابعة من الصعود الصيني وإعادة التوكيد على القوة الروسية، فلا بد أن تبدأ إدارة أوباما في إعادة بناء العلاقة مع المجال العربي والإسلامي، ليس فقط بحملة من الدبلوماسية العامة، ولكن أيضاً، وفي شكل أساسي، بتغيير ملموس في السياسات. تطوير علاقات إيجابية مع الدول والشعوب العربية والإسلامية، بل ربما محاولة تأسيس تحالف بعيد المدى مع العرب والمسلمين، سيسهم في تسهيل الانسحاب الأمريكي من العراق وتحرير الولايات المتحدة من أعباء الحرب في أفغانستان؛ سيجعل من واشنطن صاحبة الكلمة العليا في التدافع المتصاعد الوتيرة على مصادر الطاقة؛ ويؤمن موضع القدم الأمريكية في الجوار الاستراتيجي لروسيا والصين والهند، وفي تقاطع الطرق بالغ الأهمية الاستراتيجية في العالم.الولايات المتحدة، بكلمة أخرى، لا ترغب في إعادة النظر في مجمل سياسات إدارة بوش تجاه العرب والمسلمين وحسب، بل هي تحتاج لإعادة النظر هذه. ولذا، فليس من المستبعد أن تصبح السياسة الأمريكية تجاه قضايا مثل الصراع العربي الإسرائيلي أكثر إيجابية؛ أن تحاول واشنطن ما أمكن تجنب أو تأخير قرار توجيه ضربة عسكرية للبرنامج النووي الإيراني؛ أن تصل في النهاية إلى خيار التفاوض في أفغانستان؛ وأن تفسح المجال لدور إقليمي أكبر للدول العربية والإسلامية الرئيسية، ذات العلاقات الدافئة بواشنطن. ’ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث