أتسائل لماذا يقدم مركز(سبان للبحوث والسياسات في الشرق الأوسط) في واشنطن، على وضع سيناريوهات متفائلة جدا للتداعيات المحتملة لخطوة من "إسرائيل" على ضرب المنشآت النووية الإيرانية. لاشك أن هذه السيناريوهات المتفائلة تحمل في طياتها نظرة دونية للقوة العسكرية الإيرانية، واستخفاف بردة الفعل المحتملة من إيران. وحمل ملخص ما جاء في هذه المناورة أو لعبة الحرب التمثيلية دراسة سماها المركز جيدة لشخصية القادة السياسيين، وكيفية اتخاذا القرارات في الدولتين " إيران وإسرائيل "، ومع هذا فتوقع الخطوات التي ممكن أن تقوم بها إيران كان أمراً معقداً أكثر منه في الجانب الإسرائيلي وذلك لأن طريقة إتخاذ القرار في إيران لا يتوفر عنها معلومات كافية كالطرف الآخر. وسرد مركز سابان الخطوات التي وردت ضمن المناورة : 1. إسرائيل تهاجم : بدون أن تعلم الولايات المتحدة تهاجم إسرائيل 6 منشآت نووية إيرانية، وفي نفس الوقت وبدون علم " السعودية " تقيم إسرائيل " قاعدة جوية " في الأجواء السعودية للتزود بالوقود، وفي هذه الأثناء إيران غير متأكدة من عدم علم السعودية، وتعتبرها مشاركة في الهجوم بشكل فعلي والعلاقات المتوترة أصلاً بين البيت الأبيض وإسرائيل تتوتر بصورة أبكر وبشكل متسارع، وعدم علم الولايات المتحدة مسبقاً يجعلها تخرج بحجة أنها لم تصادق على الضربة. 2. الولايات المتحدة تصبح في الصورة : الولايات المتحدة تطلب من إسرائيل وقف هجماتها ومع هذا فعدد من قادة واشنطن يرون أن الفرصة مواتية لإضعاف الحكم الإيراني وبالتحديد الحرس الثوري الإيراني، وتقوم واشنطن بتوبيخ إسرائيل على الضرر الجسيم وتأمرها بوقف الهجمات ... 3. الولايات المتحدة ترسل تعزيزات عسكرية : بعد طلب وأمر جميع الأطراف بلجم الهجمات، تنشر الولايات المتحدة بطاريات صورايخ " باتريوت ". وأنظمة صاروخية أخرى وذلك لتحذير إيران بعدم الرد. وهنا أيضاً يحذر عدد من المستشارين في البيت الأبيض من انجرار الولايات المتحدة لداخل الصراع، وهؤلاء المستشارين واثقين من أن إسرائيل أرادت بهجومها أن تجر الولايات المتحدة لدخول المعركة، والمحاربة إلى جانبها وتنهي لها العمل الذي بدأته بتوجيه ضربات آخرى على المنشآت الإيرانية... 4. إيران ترد : على الرغم من التحذيرات تقوم إيران بإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، تشمل المناطق المستهدفة منطقة " ديمونا ". ومع هذا فإن الأضرار تكون بسيطة، وعدد المصابين قليل وفي نفس الوقت فإن التنظيمات التي تتبع لإيران وتعتبر من حلفائها - حزب الله وحماس - بإطلاق الصورايخ باتجاه إسرائيل، وإسرائيل ومن منطلق أن هجماتها على إيران حققت أهدافها، وأعاقت المشروع النووي الإيراني الذي أجل لسنوات طويلة لن ترد على الهجوم الصاروخي من حزب الله وحماس... 5. في طهران يستغلون الفرصة : إيران الجريحة ترى بالهجمات فرصة بعيدة المدى لتوحيد الشعب والقضاء على المعارضة من الداخل وتقرر العمل بقوة أقل ضد إسرائيل، وتصور الولايات المتحدة بأنها نمر من ورق لا يمكن لها أن تسيطر على حلفائها. وتقرر إيران أن تنتقم من السعودية على المساعدة التي وفرتها لإسرائيل فتقوم بإطلاق الصواريخ على آبار النفط السعودية وتقوم كذلك إيران بتنفيذ هجمات إرهابية ضد أهداف في أوروبا على أمل أن تقوم الحكومات بتوجيه أصابع الاتهام إلى إسرائيل والولايات المتحدة... 6. إيران لا تهاجم الولايات المتحدة : بعد جلسة نقاش بين الزعماء والقادة الإيرانيين المنقسمين في الآراء، يتخذون قراراً عدم مهاجمة أهداف أمريكية حتى يتجنبوا رد شامل من قبلها... 7. مواجهات داخل إسرائيل : مع أن الرد الإيراني تسبب في أضرار بسيطة نسبياً إلا أن الإعلام الإسرائيلي يهاجم الحكومة ويدعون أن اختيارها بعدم الرد المؤثر أضعف الحكومة وقوة الردع الإسرائيلي. يقوم حزب الله بإطلاق 100 صاروخ يومياً على الداخل الإسرائيلي ويوجهها لحيفا وتل أبيب والاقتصاد الإسرائيلي مشلول تماماً، ومسئولين رسميين إسرائيليين يطلبون المساعدة من الولايات المتحدة، ويشتكون أن ثلث سكان إسرائيل يقبعون في الملاجئ، ومئات الآلاف يهربون من حيفا وتل أبيب... 8. إسرائيل ترد بإطلاق النار : بعد انتظار متواصل تقرر إسرائيل، وبعد الموافقة الأمريكية أن ترد على الهجمات من قبل حزب الله، وتآمر الحكومة الإسرائيلية بهجوم جوي لمدة 48 ساعة، وتفعيل وحدات خاصة في لبنان، وتبدأ التجهيز لعملية جوية وبرية واسعة النطاق... 9. إيران ترفع سعر النفط : في محاولة لرفع أسعار النفط تقرر إيران أن تهاجم بالصواريخ مركز لاستخراج النفط في " الظهران " بالسعودية، وتضع ألغام في مضيق " هرمز " وتتعرض حاملة نفط أمريكية تحمل علم " بنا " للتفجير، وتحدث فيها أضرار جسيمة؛ وأسعار النفط ترتفع بصورة خيالية ولكن لوقت محدود... 10. الولايات المتحدة تعزز قواتها : تخوفاً من هجوم ملموس يضر بمصالحها بالشرق الأوسط، وفي أعقاب التهديد على كميات النفط اليومية، ترسل الولايات المتحدة قوات كبيرة إلى منطقة الشرق الأوسط، وبالتحديد إلى منطقة الخليج... 11. التراكمات التي تحدث : اللعبة أو المناورة تنتهي بعد ثماني أيام من هجوم إسرائيل وفي نهاية اللعبة كانت الولايات المتحدة مترددة في تدمير كل الأهداف الجوية والبرية والإيرانية في مضيق هرمز والجيش الإيراني كان عن وشك أن يتلقى ضربة قاضية. وهنا تبدأ التحليلات على حجم الأضرار التي حدثت للمشروع الإيراني النووي. والسؤال السائد الذي هو هل يوجد لإيران منشآت أخرى تمكنها من إعادة تفعيل مشروعها من جديد خلال عام أو اثنين. استنتاجات المشاهد العادي : 1. بتنفيذها لهجوم مفاجئ بدون علم الولايات المتحدة حازت إسرائيل على أسبقية المفاجئة ليس فقط بالنسبة لإيران، ولكن أيضاً بالنسبة لحليفتها الولايات المتحدة وتلاعبت ضللت في اليوم الأول والثاني المستشارين في البيت الأبيض. 2. الهجمات جرت لداخلها المنطقة كلها، وكذلك واشنطن وزعماء عرب من المعتدلين والذين أبدوا سعادتهم داخل الغرف المغلقة من مهاجمة إيران،لكنهم اضطروا لشجب ما حدث بسبب ردات الفعل من قبل الشارع في بلدانهم، وبعد وقت قصير من القتال تركزت المهمات والأولويات إلى حماية أبار النفط السعودية، واستخدام إيران للجهات التي تقع تحت تأثيرها عملتنا أن لاعبين محليين آخرين دخلوا للصراع وبسرعة ( حزب الله – حماس ) . 3. ممكن أن ندمر ونهاجم المنشآت الإيرانية ولكن لا يمكن القضاء على المعرفة والعقل المفكر، فإيران قامت بتوزيع العلماء والمهندسين النوويين على جميع المدن حتى تستطيع إعادة بناء المفاعلات بعد قصفها. 4. لم ينتصر أي طرف في هذه المواجهة ومصادر رسمية في البيت الأبيض يصرح أن إعاقة المشروع النووي الإيراني لعدة سنوات لا يساوي الثمن الباهظ المتعلق بذلك، ومع هذا فإسرائيل أبدت علامات الرضا وإشباع الذات من الهجمات، وادعت أنها حققت أهدافها. ما أغفلته سيناريوهات مركز سبان: 1- ردة الفعل المحتملة من الذراع الإيراني المتقدم في الشرق الأوسط – حزب الله- قد تتجاوز الضربات الصاروخية وتتقدم نحو عمل ميداني يقوم حزب الله بمقتضاه باحتلال شريط ارضي واسع شمال فلسطين المحتلة قد يشمل العديد من المدن الحدودية، وبذا قد تخسر "إسرائيل" هامش مناورة طالما هددت به لبنان. وبدلا من قيامها بتهديد العمق اللبناني سيكون عليها الدفاع عن الغرف الداخلية لبيتها، ويكون بذلك حزب الله نجح ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني بنقل ساحة الصراع إلى الأرض التي يتمترس بها العدو. 2- ذات الأمر قد ينطبق على ردة الفعل المحتملة من حركات التحرر والمقاومة الفلسطينية، فردة فعلها قد تتجاوز الضربات الصاروخية للبلدات الصهيونية المحاذية للقطاع إلى إقدام المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس على اجتياح البلدات الصهيونية جنوب كيان العدو ، وتحقق التحاما يصعب معه على جيش العدو استهداف المقاومة أو القضاء عليها بضربات جوية حتى ولو كانت جراحية ومركزة، وها هو العدو يتحدث عن عشرات الأنفاق المخصص جزء منها لاختطاف جنود،وجزء آخر للقيام بعمليات وتفجير، وآخر لنقل أعداد كبيرة من المقاتلين إلى داخل العمق الصهيوني. 3- تغفل سيناريوهات مركز سبان الأمريكي ردة الفعل المحتملة من الشعوب العربية والإسلامية في الدول العربية خصوصا تلك المجاورة لكيان العدو، ومراهنة مركز سبان على اكتفاء هذه الشعوب باستنكار زعماء هذه الدول لما يجري يعد من البلاهة السياسية وسطحية تعكس عدم قراءة جيدة للحراك الداخلي الكبير الذي يجتاح الساحات العربية كنتيجة حتمية لحجم الوعي الذي نجحت في بثه الحركات الإسلامية والوطنية في البلاد العربية والإسلامية. فلم يتوقع مركز سبان الأمريكي مثلا إقدام أحد الشعوب الكبيرة والمؤثرة في المنطقة كمصر أو الأردن على سبيل المثال على إزاحة حكومته الفاسدة وفتح جبهة عداء من كيان العدو، فان لم يكن ليس لجهة المواجهة الآنية مع كيان العدو فعلى الأقل لجهة فتح الأبواب الدعم والإسناد أمام المقاومة التي تلتحم مع العدو وتحقق تقدما على حساب جبهاته وتحصيناته وبلداته الحدودية. 4- كما نعجب لماذا لم تحمل سيناريوهات مركز سبان عدم اكتفاء إيران بالرد الصاروخي على "إسرائيل" علما أن إيران تمتلك قوة بحرية لا يستهان بها تشمل الغواصات، الأمر الذي لا يستبعد معه إقدام إيران على تدمير المدن الساحلية الصهيونية وقبل ذلك تدمير القوة البحرية الصهيونية. قد يقول قائل أن إيران لم تتمكن من ذلك لأن القوات الأمريكية ستؤمن الحماية للكيان الصهيوني. وهنا نقول لمركز سبان أن حدود التفكير الانتقامي الإيراني على أي مساس به وبقدراته النووية قد يدفعه لفتح جبهات مواجهة غير مباشرة مع أمريكا لتحقيق عدد من الأهداف قد يكون أهمها: - إشغال القوات الأمريكية بالدفاع عن نفسها وعن مصالحها في الخليج وفي العراق وأفغانستان. - استنزاف القوات الأمريكية الأمر الذي يصعب معه على أمريكا تامين الحماية لكيان العدو ومدنه وقواته. - لهذا قد تلجأ إيران إلى فتح أبواب الدعم اللامحدود أمام المقاومة الأفغانية الأمر الذي قد يدفع أمريكا للزج بمزيد من القوات لإنقاذ قواتها وقوات حلف النيتو المحاصرة والمهدد بالإبادة في أفغانستان. - وذات الأمر قد ينطبق على المشهد الإيراني لتصبح القوات الأمريكية في العراق محل استهداف الكل العراقي السني والشيعي، الأمر الذي يضع هذه القوات في موقف عسكري لا تحسد عليه، قد تدفع أمريكا معه للمساومة مع إيران تضحي بموجبه "بإسرائيل" مقابل الحفاظ على حياة الآلاف من جنودها في العراق. يصعب التحكم بهذا التشعب وهذا التعقيد، ورسم سيناريوهات تفصيلية لما قد تكون عليه الأمور وذلك لصعوبة توقع ردات الفعل سواء من إيران أو اذرع المقاومة اللبنانية أو الفلسطينية، أو توقع ردات الفعل الصهيونية التي قد توقعها في شر أعمالها وتكون بذلك جنت على نفسها "إسرائيل" ورسمت سيناريو نهاية هذا الكابوس الذي سمي "إسرائيل" على أرض فلسطين وفي قلب العالم العربي والإسلامي، وتحقق في نفسها البشارات النبوية بزوال هذا الكيان على أيدي المجاهدين وهروب اليهود مرة أخرى عبر البحر كما أتوا، وإقامة الخلافة التي سيعم عدلها الأرض..."ويقولون متى هو ..قل عسى أن يكون قريبا