هناك اليوم ثلاث ساحات للفعل السياسي الفلسطيني في حاجة للنقاش والتمحيص بالارتباط بمفهوم المشروع الوطني الذي بات محل خلاف وتشكيك من حيث المرتكزات والمضامين والوسائل. الساحة الأولى، والتي تشهد تنامياً مضطرداً ويعقد البعض عليها رهانات كبيرة، هي ساحة المقاومة الشعبية أو ساحة الفعل الشعبي المقاوم، يصاحبها منازلة منهجية ومنتظمة في ميدان القانون الدولي والرأي العام العالمي. الساحة الثانية تتمثل في خطة سلام فياض "إنهاء الاحتلال وبناء المؤسسات" وترجماتها العملية ذات الطابع الاقتصادي والمؤسساتي. الساحة الثالثة، قطاع غزة وما ينطوي عليه أمره من فكرة الصمود والمناوشات العسكرية مع الاحتلال. ينطوي الفعل في هذه الساحات على مضامين المشروع الوطني أو بعضها، وتحديداً، فكرة التحرر وبناء الكيانية، غير أن الفعل في كل ساحة من هذه الساحات ليس محل اتفاق وإجماع الفلسطينين، وهو ما يضرب فكرة المشروع الوطني في الصميم، ناهيك عن فرص تحقيق الأهداف المنشودة في ظل انشطار الإجماع وغيابه. التفاوض ساحة من ساحات الفعل، لكنها من منظور الكاتب، تأتي تعبيراً عن الساحات الأخرى وتتخللها أو تصاحبها، بشروط ومرجعيات ناظمة وفي توقيتات ملائمة وبتكتيكات ناضجة ومفيدة، وعليه ليس من الحكمة افتراض وجود هذه الساحة بصورة مستقلة أو منفصلة. وعوضاً عن مراجعة فعلنا في الساحات المذكورة ومحاولة تعديله أو تصويبه أو بناء الإجماع حوله، يتجاوز البعض سؤال أزمة المشروع الوطني إلى التشكيك في وجوده، وبالتالي يبشرون بالخراب الآتي أو الدمار المستعجل. ولذا تراهم يذهبون إلى استدعاء قوة موهومة ومفترضة كتعويض عن العجز والفشل، أو التفكير في إعادة طرح مشروع جديد بمضامين جديدة. ويتناسى هؤلاء وغيرهم من السياسيين والمفكرين أنه دائماً كان للفلسطينيين مشروعهم الذي أجمعوا عليه وألهمهم في مواجهة التحديات وسمح لهم بالتباين والاجتهاد وحفظ تعددهم السياسي والأيديولوجي وأثرى كفاحهم من أجل الحرية والاستقلال. اشتمل هذا المشروع على ثوابت متفق عليها ألهمتهم ووحدتهم واستنفرت قواهم للدفاع عنها. إن أي مراجعة للفعل الفلسطيني في الساحات المختلفة يجب أن يستند إلى البديهيات التالية: (1) لازال الفلسطينيون يواجهون ذات الخطر، منذ حوالي قرن من الزمان، والمتمثل في مشروع احتلالي استيطاني نافي لوجودهم، منكر لحقوقهم، معرقلاً لتطور هويتهم، مجهضاً لفرص بناء كيانيتهم. وهو بذلك، لا يشكل التناقض الرئيس فحسب، بل وأساساً موضوعياً لتوحدهم خلف رؤية واحدة لمواجهته، تتعدد في إطارها اجتهاداتهم السياسية والفكرية وتتنوع مقارباتهم وأساليب عملهم، لكنها لا تصل حد التصادم والتعارض.(2) مع تغير الأحوال وتبدل موازين القوى، بدا أن إجماع الفلسطينين حول ثوابتهم اهتز، وقدرتهم على الدفاع عنها تراجعت، وبات انقسامهم على أنفسهم مصدر ضعف على ضعفهم، وحصان طروادة يخترق قلعة صمودهم. ما يجعل البحث عن ثوابت محل اتفاق، ومصدر إلهام لاستمرار كفاحهم، بمثابة ضرورة وطنية عاجلة، دون تشكيك في البدايات، وجلد مبالغ فيه للذات. (3) بوصفهم شعباً، طور الفلسطينيون هوية خاصة بهم نتاج تفاعل انتماءاتهم الإقليمية مع تطلعات نخبتهم السياسية للاستقلال وقيادة كيان سياسي ذي سيادة في ظل واقع التجزئة المفروض. ومع الإقرار بأن هذه الهوية لازالت قيد التشكل، ويمكن إثراءها بمضامين جديدة، غير أن التمسك بها والدفاع عنها يشكل المرتكز الرئيس في مشروع الفلسطينيين التحرري (4) وبوصفهم كذلك، وبفضل تضحياتهم، حظي الفلسطينيون باعتراف الشرعيتين العربية والدولية بحقوقهم الوطنية المشروعة: الحق في تقرير مصيرهم وبناء دولتهم المستقلة وعودة لاجئيهم إلى ديارهم التي شردوا منها. وهو ما يشكل المرتكز الثاني في مشروعهم التحرري الذي لا ينبغي الاستهتار به قليلاً أو كثيرا. (5) وإذا كان المشروع الصهيوني ينطوي على أبعاد عنصرية، وبالتالي يفترض إلغاء الآخر وشطبه، غير أن مشروع الفلسطينين التحرري يحمل سمة إنسانية تشكل جوهر فكرة الحرية، وتجعل منه نقيضاً مقبولاً ومعترفاً به للمشروع الصهيوني. وعليه، فهذا المشروع يخلو من مضامين عنصرية تشترط نفي الآخر أو غيابه بالمطلق (6) أنه بالإضافة إلى البعدين الوطني والإنساني للمشروع الفلسطيني، فإنه ينطوي على أبعاد مجتمعية ومؤسساتية وكفاحية بالضرورة. وآليات هذا المشروع لا تقتصر على تعزيز صمود الفلسطينين على أرضهم، ومقاومة الاحتلال بأشكال مختلفة فحسب، بل وتتضمن بناء الإجماع وضمان استدامته في ظل نظام تشاركي وتعددي، والتموضع الخلاق والمرن في سياق تمحور واستقطاب علاقات القوة الإقليمية والدولية، وأخيراً مراعاة كل أبعاد المشروع وتجنب وضع أحدها في تعارض مع الأبعاد الأخرى. واستنتاجاً مما سبق، نسجل بعض الملاحظات على الفعل الفلسطيني في ساحاته الثلاثة بهدف التصويب والإسراع في الخروج من لحظة الانسداد التي يعاني منها مشروعنا الوطني: أولاً: توسيع رقعة التصادم مع الاحتلال، وهو ما يفترض الابتعاد عن الجانب المظهري في التحركات الشعبية المتنامية، ومعالجة وتائرها البطيئة وإشراك فئات اجتماعية أوسع في فعالياتها وتشكيل مرجعيات قيادية وسياسية وعملية ناظمة لإيقاعها وتكتيكاتها، ورفدها بتحركات ضاغطة ومناصرة، دبلوماسية وإعلامية وسياسية، في المدن والعواصم الفاعلة في عالم اليوم، وضمن حركات الاحتجاج الكوني المتسقة مع منطوق الشرعية الدولية والقادرة على إحداث التأثير في السياسات والقرارات الدولية. ثانياً: إعادة النظر في برنامج حكومة فياض بهدف تلافي نقاط ضعفه والثغرات القاتلة فيه. من بين هذه الثغرات: انحصار المقترح وتطبيقاته العملية في الضفة الغربية، انتفاء الصفة القانونية والولاية السياسية الكاملة للجهة صاحبة المقترح، وهي حكومة تصريف أعمال للمرة الثانية، انطوائها على معضلة بنيوية، فنجاحها قد يقوض مطالبة الفلسطينين بالمزيد في مفاوضات المرحلة النهائية، وفشلها قد يستخدم كدليل آخر، بعد غزة، على عدم جدارة الفلسطينيين في إدارة دولة خاصة بهم. أما الثغرة القاتلة فتكمن في الافتقار إلى المضمون السياسي والكفاحي، وهو ما يتطلب رد الولاية إلى المنظمة لإعادة تظهير الخطة وتطويرها في إطار مشروع سياسي واضح الأهداف ويحظى بإجماع كبير وقابل للترويج له والدفاع عنه. ثالثاً: تجريد غزة من فرصة الانتحار الذاتي، عبر إعادة تعريف مكانتها ودورها في المشروع الوطني، وإخراجها من ساحة التجاذب الإقليمي ورهانات القوى المتصارعة. غزة خندق متقدم في مواجهة الاحتلال والمشروع الصهيوني، وهكذا يجب أن تبقى، ولكن في سياق مختلف وشديد التعقيد. وبوصفها أرض فلسطينية انسحب منها الاحتلال لكنه يتربص بها، ولا يريد أن يتركها وشأنها مستغلاً في ذلك سلوكنا أو بعضه، صمت العالم أو بعضه، عجزنا عن طرح بدائل أكثر واقعية واستجابة لخارطة القوة في المنطقة، علينا أن نطور التحرك الشعبي بصورة منتظمة ليخلق مناخاً كفاحياً موحداً ينخرط فيه الجميع ويؤسس لفرص حقيقية للمصالحة الوطنية، كما على القائمين على شأن غزة كبح جماح الميليشيات واقتصادها السياسي والثقافي المتنامي الذي يشكل رأس حربه لقوى إقليمية تعبث بمقدراتنا وتستغل قضيتنا لحساباتها ورهاناتها، وعلينا أخيراً امتهان حرفة الحكم الرشيد حقاً، لنثبت للعالم جدارتنا، فلا قمع للحريات، ولا إهمال لحاجات الناس، ولا استغوال للفساد ولا إهدار للموارد البسيطة والشحيحة، ولا ارتجال في الإدارة، ولا استهزاء للجغرافيا السياسية، ونسق العلاقات الدولية ومضامين القوة التي تشتمل عليها وتجسدها، مصداقاً للمثل الأميركي: أنت لا تستطيع تغيير اتجاه الريح، لكن بمقدورك تعديل الأشرعة دون تهافت أو تضليل أو تنازل عن ثوابت حقيقية وليست موهومة أو مصطنعة.