في قلب المشرق العربي، حيث تُكتب التاريخ بمداد الدماء والسلطة، تبرز الأقليات كشهود صامدين على محك الإقصاء المنهجي، محاصرين بين ذاكرة المجازر المتكررة وأوهام الاندماج الوطني. هذا الشرق ليس مجرد جغرافيا، بل نظام سياسي يعيد إنتاج نفسه عبر العصور، يحول التنوع إلى تهديد، والتعايش إلى استحالة، مما يفرض على الأقليات مواجهة مصيرية، حيث تبرز الوحدة كسلاح البقاء أمام محيط يرفضها جوهرياً. من هنا ينبثق التحليل، يكشف طبقات الاستمرارية الدموية ويرسم مسار الصحوة الاستراتيجية.
وفق ما سبق وفي أعماق تاريخ المشرق العربي، حيث تتشابك خيوط السلطة والدماء، عانت الأقليات، سواء كانت علوية أو مسيحية أو درزية أو إيزيدية أو غيرها، من سلسلة متواصلة من المجازر الوحشية والمحاولات المنهجية للإبادة الجماعية. كان الجاني الدائم عبر العصور، هو الإطار السني البعيد عن عمق الإسلام المحمدي السَمح لكنه كان المهيمن في دولته المتعاقبة، من الأمويين الذين أغرقوا الشام في بحار الدماء، مروراً بالعباسيين الذين أعادوا صياغة الإمبراطورية على أنقاض التنوع الثقافي، إلى السلاجقة والمماليك والعثمانيين، وصولاً إلى ورثتهم المعاصرين الذين يُطلق عليهم “الأمويون الجدد”. هؤلاء لم يكونوا مجرد فاتحين عسكريين، بل بناة نظام سياسي أساسه نفي الآخر، حيث يتحول الاختلاف إلى تهديد وجودي يُقابل بالإقصاء الشامل. هذا النمط التاريخي ليس صدفة، بل هو تعبير عن بنية فكرية عميقة الجذور، مبنية على الغزو كأداة للهيمنة، والقتل والسبي كوسيلة لتطهير المجال الحضاري، مما يجعل فكرة المواطنة – تلك الركيزة الأساسية للدولة المدنية – مستحيلة الاستيعاب داخل هذا الإطار. فالدولة هنا ليست عقداً اجتماعياً يضمن الحقوق، بل آلية لتكريس الهوية الواحدة، حيث يُعامل الغير كجزء من “الغنيمة” أو “العدو الأبدي”.
مع جلاء الاستعمار الأوروبي في القرن العشرين، وصعود الدول الوطنية المستوحاة من الأفكار القومية والاشتراكية، خُيل إلى الأقليات أن صفحة الماضي قد طُويت إلى الأبد. انخرط أبناؤها بحماسة صادقة في بناء هذه الكيانات الجديدة، متجاهلين انتماءاتهم الطائفية لصالح إيمان مطلق بالأوطان المشتركة. اقتنعوا بأن مظاهر الكراهية المتقطعة من أتباع الورثة التاريخيين ليست إلا انحرافات فردية، لا تعكس توجهاً جماعياً متجذراً. كان هذا الإيمان خطأً استراتيجياً مدفوعاً بالأمل في “الديمقراطية الوطنية”، التي بدت وكأنها ستذيب التوترات الطائفية في بوتقة الهوية المدنية. لكن هذا الوهم انهار مع ما يُسمى “الربيع العربي”، الذي لم يكن ثورة للحرية بقدر ما كان كشفاً للنوايا الحقيقية: أبناء الذين ارتكبوا المجازر التاريخية عادوا بنفس النهج، غير متأثرين بمتغيرات الزمن أو التحديثات الظاهرية. في سوريا والعراق ولبنان، تحولت الانتفاضات إلى فرصة لإعادة إنتاج الدورة الدموية، حيث أُعيد تفعيل الذاكرة “الجماعية السنية” المهيمنة لاستئصال الأقليات، مبررة ذلك بـ”الجهاد” أو “الثورة”، بينما كشفت عن عدم قدرة هذا الإطار على التطور نحو التعايش.
هذه الصدمة ليست مجرد حدث عابر، بل لحظة وجودية تُعيد تعريف السياسة في المشرق كصراع بين الاستمرارية والإبادة. يجب أن تُحوّل إلى صحوة استراتيجية للأقليات، تدفعها نحو الوحدة كحاجة حتمية للحفاظ على الحاضر والمستقبل. فالمحيط السني المهيمن بكل تنوعه الظاهري يظل غير قادر على قبول الآخر كشريك متساوٍ؛ إنه نظام يرفض التنوع كمبدأ، ويُعامل الأقليات كعنصر خارجي يهدد نقاء الهوية. التعايش تحت ظله مستحيل، لأنه يتطلب تنازلاً عن الوجود ذاته، في حين أن الاستقلال النسبي أو الهيمنة المشتركة تبقى وهماً. في هذا السياق الجيوسياسي، حيث تتقاطع الطائفية مع النزعات الإمبراطورية الجديدة، تكمن الوحدة بين أبناء جميع الأقليات في المشرق كالخيار الوحيد للبقاء: اتحاد يبني قوة دفاعية مشتركة، يعيد صياغة السياسة كمقاومة للإقصاء، ويفتح آفاقاً لدول مدنية حقيقية خارج الدورة التاريخية الدموية. ففي وحدتكم، يا أبناء هذا الشرق، يكمن استمرار وجودكم على هذه الأرض المباركة، بعيداً عن أوهام الاندماج في نظام لا يقبل إلا بالخضوع أو الزوال.
بهذا، يتجلى التحليل كدليل قاطع على أن الوحدة ليست خياراً تكتيكياً، بل ضرورة حضارية تحول دالاً على إعادة تعريف السياسة في المشرق: من دورة الإبادة إلى بناء كيانات مقاومة تحمي التنوع كمبدأ أساسي. ففي اتحاد الأقليات تكمن القدرة على كسر سلاسل التاريخ، وصياغة مستقبل يفوق حدود الاستقصال، مؤكداً أن البقاء هنا ليس مصيراً، بل مشروعاً سياسياً يُبنى بالإرادة الجماعية.
بقي أن نقول صراحةً أنه لا بد من رسم فاصل منهجي وحضاري حاسم؛ فالمستهدف بهذا التحليل ليس “المذهب السني الكريم” في جوهره الروحي والأخلاقي، ولا “الإسلام المحمدي” السمح الذي شكل على مر العصور وعاءً للرحمة والقيم الإنسانية العليا، بل إن النقد يتوجه حصراً نحو “السنية السياسية” الإقصائية. تلك الأيديولوجية التي قامت بتسييس المقدس واختطاف الهوية الدينية لتحويلها إلى أداة للهيمنة والسلطة والقمع، متخذة من “الغلبة” منهجاً ومن “الإلغاء” غاية، وبهذا فإن الفرق بين الإسلام كرسالة حضارية وبين السنية السياسية كفعل سلطوي، هو الفرق بين الانفتاح على الوجود وبين الانغلاق على “الأنا” المتضخمة. فبينما يمثل الإسلام المحمدي روحاً جامعة وقبولاً بالتعددية الكونية، نجد أن السنية السياسية عبر التاريخ من حقبة الإمبراطوريات وصولاً إلى حركات التشدد المعاصرة، قد أفرغت الدين من محتواه القيمي وحولته إلى ايديولوجية استعلائية ترى في الآخر المشرقي، سواء كان مسيحياً أو علوياً أو درزياً أو شيعياً أو إيزيدياً، مجرد عقبة في طريق مشروعها الخلافتي الأحادي.
أكاديمي ومحاضر وخبير الشؤون السورية والشرق أوسطية


