إلى حركة حماس: كفى تردّدًا… في زمنٍ تغيّرت فيه السياسة وبقي الألم..

الثلاثاء 03 فبراير 2026 09:00 ص / بتوقيت القدس +2GMT
إلى حركة حماس: كفى تردّدًا… في زمنٍ تغيّرت فيه السياسة وبقي الألم..



كتب د.محمد المصري :

                                                              

نكتب اليوم في مرحلة سياسية بالغة التعقيد، مرحلة يُعاد فيها تشكيل المشهد الدولي والإقليمي، بحيث يخدم سياسة الأقوياء، ولن يكون هذا العالم الذي تعمل عليه الادارة الامريكية على أساس العدالة، بل وفق منطق المصالح والقوة والكيل بمكيالين. لا يُكافأ الضحية، ولا يُنصف المظلوم، بل يُترك وحيدًا يواجه مصيره، بينما تُدار الأزمات على طاولات السياسة الباردة.

وفي قلب هذا الظلم الدولي المتشكّل بمرجعية لا تمتّ للعدل بصلة، يقف شعبنا الفلسطيني، وخصوصًا في قطاع غزة، ليدفع ثمنا من دمه، وبيوته، وأطفاله،ومستقبله. ومع ذلك، ما زال التردّد يخيّم على قرارات من شأنها أن تُخفّف من هذه المعاناة، وكأن آلام الناس باتت تفصيلًا ثانويًا في معادلات السياسة.

لقد تغيّرت الأوضاع، وسقطت كثير من الرهانات، وأثبت المجتمع الدولي، مرة بعد أخرى، أنه لا يتحرك إلا حين تتقاطع المصالح لا حين تُنتهك القيم. وفي خضم هذا الواقع، دخل الاتفاق مرحلته الثانية، وهي مرحلة بالغة الحساسية لا تحتمل الحسابات الضيقة ولا القرارات المرتبكة ولا الشطارة الاعلامية أو ممارسة الغموض على الشاشات، والانفتاح داخل الغرف المغلقة، إن إعطاء الاحتلال الإسرائيلي ذرائع جديدة لإفشال الاتفاق لن يضر إلا شعبنا، الذي اعتاد أن يدفع ثمن إخفاقات السياسة وتقلباتها.

من هنا، تصبح المسؤولية الوطنية مضاعفة: مسؤولية عدم الانجرار إلى خطوات أو مواقف تمنح إسرائيل فرصة التهرب من التزاماتها، ومسؤولية استثمار اللحظة السياسية بما يخدم الإنسان الفلسطيني أولًا. فهذه المرحلة تتيح، رغم قسوتها،الاستفادة من مواقف عربية جادة تعمل على حماية شعبنا وتخفيف معاناته،سياسيًا وإنسانيًا، وهي مواقف لا يجوز التفريط بها أو التعامل معها باستخفاف أو شك دائم.

وفي هذا السياق، فإن تغليب المصالح الحزبية أو التنظيمية على حساب آلام الناس يشكل خطرًا وطنيًا وأخلاقيًا. شعبنا لم يبخل يومًا، ولم يتراجع عن واجباته الوطنية، وكان دائمًا وقود الصمود والمواجهة. لكنه اليوم متعب… متعب بحق. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ألم يأتِ الأوان كي يرتاح هذا الشعب؟
ألم يحن الوقت ليعيش بسلام على أرضٍ أحبّها، ودافع عنها، وقدّم من أجلها تضحيات تفوق الوصف؟ اليس هم من ضحى، وهم من قاوم، وهم من شكلوا البنية الحاضنة لكل فعل وطني، وصبر عليكم، واعطاكم الفرصة تلو الفرصة. 

غزة لا تطلب المستحيل، ولا تنازلًا عن الحقوق أو الثوابت، بل تطلب حياة إنسانية كريمة، وأفقًا سياسيًا يخفّف عنها وطأة الحصار والموت البطيء. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تمكين منظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها الإطار الوطني الجامع وصاحبة المشروعية السياسية، من القيام بدورها في معالجة ما يمكن معالجته في هذه المرحلة الدقيقة، بما يضمن بقاء شعبنا على أرضه، ويحمي قضيته من محاولات التهجير أو التصفية والسلطة الوطنية هي الذراع التنفيذي والمعترف بهادوليا، ويمكنها ان تتعامل مع المجتمع الدولي وهي الاكثر قبولا من قبل دولنا العربية والاسلامية..

إن الابتعاد قليلًا عن عناد السياسة، والاقتراب أكثر من نبض الشارع ووجع الناس، ليس ضعفًا ولا تراجعًا، بل شجاعة ومسؤولية وطنية. اتركوا لشعبكم بعض الأمل، بعض الراحة، وبعض الإحساس بأن تضحياته لم تُهدر في زمنٍ تخلى فيه العالم عن معاييره الأخلاقية.

فالتاريخ لا يحاسب النوايا بل النتائج، والنتائج كانت سفك دماء شعبنا وزيادة المخاطر، الشعوب لا تنسى من خفّف عنها الألم، كما لا تنسى من أثقل كاهلها بالصمت والتردّد.

كفى تردّدًا… فشعبنا يستحق أن يعيش، حتى في عالمٍ لا يعرف العدل.