تصرّ إيران رسميًا على أنها لا تسعى لإنتاج سلاح نووي، وأن برنامجها نووي سلمي بحت. لكن السؤال الجوهري الذي لا يمكن القفز فوقه هو:
إذا كان الأمر كذلك فعلًا، فلماذا تتحمّل إيران كل كلفة القنبلة النووية دون أن تصنعها؟
لقد دفعت إيران أثمانًا باهظة لا تُقاس بالأرقام فقط، بل بالأرواح أيضًا. علماء نوويون اغتيلوا، كفاءات علمية استُهدفت، شهداء سقطوا دفاعًا عن مشروع لم يتحول إلى سلاح، لكنه يُعامل كأنه كذلك. هذا وحده كافٍ ليكشف حجم المفارقة الاستراتيجية التي تعيشها البلاد: كلفة سلاح لم يُنتج، وعقوبة على جريمة لم تُرتكب.
اقتصاديًا، خضعت البلاد لعقوبات خانقة، وتكبّد الشعب أزمات معيشية قاسية، واستُنزفت موارد الدولة في مواجهة حصار طويل الأمد، فقط لأنها أصرت على الاحتفاظ ببرنامج تقول إنه سلمي، بينما العالم يعاقبها باعتباره مشروعًا عسكريًا مؤجلًا. وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل يعقل أن يتحمل نظام دولة كل هذه الأكلاف، ويعرّض وجوده ذاته للخطر، مقابل برنامج لا يمنحه لا الردع الكامل ولا الرفع الحقيقي للعقوبات؟
الواقع الاستراتيجي يفرض ثلاثة خيارات لا رابع لها:
أولًا: إنتاج القنبلة النووية.
وهو خيار الحسم. امتلاك الردع الصريح الذي يُنهي حالة الابتزاز الدائم، ويغيّر قواعد الاشتباك الإقليمي جذريًا. لكنه في المقابل يعني مواجهة عزلة أشد، واحتمالات صدام عسكري مفتوح، وربما سباق تسلح نووي إقليمي.
ثانيًا: التخلي الكامل عن البرنامج النووي.
وهذا يعني إسقاط الذريعة الرئيسية للعقوبات، وفتح الباب أمام انفراج اقتصادي وسياسي واسع، لكنه في الوقت نفسه يعني التخلي عن ورقة استراتيجية ثمينة في بيئة إقليمية عدائية، حيث لا تُمنح الضمانات مجانًا، ولا تُحترم الدول الضعيفة.
ثالثًا: الاستمرار في المنطقة الرمادية.
وهذا هو الخيار الحالي، والأكثر استنزافًا وخطورة:
لا سلاح نووي، ولا رفع عقوبات، ولا أمن استراتيجي مستقر، بل نزيف دائم في الاقتصاد، واستهداف مستمر للكفاءات، وتهديد دائم لوجود النظام نفسه.
إن الدماء التي سالت، والعقول التي اغتيلت، والشهداء الذين ارتقوا دفاعًا عن هذا المشروع، تجعل من استمرار هذا الوضع الرمادي أمرًا غير أخلاقي قبل أن يكون غير عقلاني. فلا يمكن تبرير كل هذا الثمن مقابل مشروع لا يُستثمر سياسيًا ولا يُحسم استراتيجيًا.
الخلاصة واضحة وقاسية في آنٍ واحد:
إيران تدفع اليوم كلفة قنبلة نووية وهمية، دون أن تمتلك القنبلة، ودون أن تجني ثمار السلام. وهذا أخطر وضع يمكن أن توجد فيه دولة في نظام دولي لا يعترف إلا بالقوة، ولا يحترم إلا من يفرض معادلاته بوضوح.
إما حسم الردع، أو حسم السلام، أما البقاء في المنتصف فهو وصفة مؤكدة للاستنزاف والانهاك، وربما السقوط.
* صحافي استقصائي مختص في الشؤون الإيرانية و الإقليمية


