إحدى عشرة حكومة فلسطينية لم تسلم واحدة منها، من معارضة أو نقد، ذهب في أحايين عديدة، إلى درجة التخوين والتجريم في بعض الموضوعات السياسية والاقتصادية، التي تلامس بشكل مباشر قضيتنا الوطنية. رئيسان للسلطة، هما أيضا، نالهم ما طالهم من نقد في مناسبات كثيرة.. على الرغم مما يمثلاه من رمزية قيادية ونضالية لشريحة كبيرة من أبناء شعبنا. وبينهما كان رئيس انتقالي، فُضح وصلب على جدار الفساد، وأنهى مشواره السياسي، بفضيحة أطلق عليها في حينها "فتوح فون" . لا أذكر ما بدأت به لرغبة في استعراض منجزات قيادة وطنية برجوازية بيروقراطية، غرقت حتى أذنيها في وحل الفساد. فليس في ذكر كهذا إلا ما يدعو للحسرة والقهر. ولكن الإتيان بها في هذا الموضع، ليس إلا لوضعها في مقاربة مع جهة أخرى، لم يجرؤ أحد على مدى أعوام طويلة، من احتكارها و"شفطها" لأموال المواطنين، من التوجه لها بأصبع الاتهام، وإضاءة بريق أحمر في وجهها، لعلها توقف ما أوغلت ولا زالت توغل فيه. شركة جوال، إذاً، وهي حديث الساعة، ومقصد حديثي في مقالي هذا، تقف اليوم أمام مفترق طرق مهم، ومصيري، ولا بد أن تحسم أمرها فيه. فعلى مدار الفترة الماضية لم يجرؤ أحد على إيقافها ووضع حد لها، إثر ممارسات آذت الكثيرين؛ والسبب في ذلك كان عائدا لكونها شركة الخلوي الأولى في فلسطين، التي أردناها بديلا حين انطلاقتها عن الشركات الإسرائيلية، وفرحنا بالقائمين عليها، وهم يصنعون من اسمها ماركة تجارية لا مضاهي لها في كل الأراضي الفلسطينية المحتلة. ولأنها أيضا كانت تلوي أذرع الكثيرين من العاملين في بلاط "صاحبة الجلالة" ورموز "السلطة الرابعة" بإعلاناتها التي كانت تغطي أرباع وأنصاف، وفي بعض الأحيان كامل صفحات جرائدنا الثلاث، وتوفر بالتالي لهم مصدر الدخل الرئيسي، كالمعلن رقم واحد في كل منها، حتى وصلت عوائد إعلاناتها إلى أرقام فلكية قدرت بعشرة آلاف شيكل كدخل يومي. والحديث هنا ينسحب على الإذاعات المحلية أيضا، وغيرها من وسائل الإعلام. اليوم.. طفح كيل مواطنينا، خاصة في قطاع غزة، المثقل بعذابات حصاره، ومآسي مآله، بعد أعوام من الحصار، التي قرف فيها المواطنون حتى "الدبان الطاير"، وهم لا يدرون من أي جانب يستقبلون همومهم، وعلى أي جانب ينامون دون أن تعاجلهم كوابيس كثيرة لامست كل مناحي حياتهم. في الفترة الأخيرة، ضخت شركة جوال أكثر من ثلاثين ألف شريحة في السوق، وبأسعار متدنية دنو سعر علبة سجائر مصرية رديئة. هذا الإغراق جاء في وقت تعاني فيه محطات التقوية التابعة للشركة من عوامل التعرية التي ساقتها كمبررات لسوء إرسالها، كالانقطاع المستمر للكهرباء، وعدم إدخال المولدات الكهربائية المناسبة لتشغيل محطات التقوية. هذه الأسباب لم تكن رادعا للشركة عن بيع المزيد من الشرائح، إذ أنها تحاول استباق الوقت، قبل دخول منافستها الجديدة، شركة "الوطنية" على خط سوق القطاع المُربح لكل تاجر دم، وبائع ضمير. هذه الخطوة كانت القشة التي قسمت ظهر البعير، فأنطقت ألسن عديدة، بدءاً من المستوى النيابي ممثلا بالنائب راوية الشوا، مرورا بمراكز حقوق الإنسان ممثلة في "الضمير" التي جعلت من نفسها رأس الحربة في هذه الحملة، وصولا إلى كتاب وصحفيين ورؤساء تحرير غامروا بعائدات مؤسساتهم المغرية من إعلانات الشركة. على "جوال" أن تقف وقفة صادقة، أمام نفسها أولا، وأمام جمهورها ثانيا، وأن تحاول أن تعيد لنفسها ثقة جمهورها العريض الذي تستفرد به أساسا، قبل أن يفوت الفوت، وتضيع كل انجازات الأعوام الماضية في طرفة عين. صحفي فلسطيني من غزة