نقل برنامج تجسس طوّره ضابط إسرائيلي سابق إلى السودان

الأربعاء 30 نوفمبر 2022 03:47 م / بتوقيت القدس +2GMT
نقل برنامج تجسس طوّره ضابط إسرائيلي سابق إلى السودان



القدس المحتلة/سما/

أفاد تقرير استقصائي اليوم، الأربعاء، بأن شركة لتطوير برامج تجسس من خلال اختراق الهواتف الذكية، باعت برامجها من خلال صفقات طغت عليها السرية إلى جهات حكومية في أنحاء العالم، وكذلك إلى ميليشيات ضالعة في حروب أهلية، مثل "قوات الدعم السريع" ("الجنجويد" سابقا)، التابعة لنائب رئيس مجلس السيادة في السودان، محمد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي".
وذكر التقرير، الذي يستند إلى منظمة التحقيقات "لايت هاوس ريبورت" وشركائها "إنسايد ستوري" اليونانية وصحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، التي نشرت التقرير اليوم، أن برنامج تجسس عبر اختراق الهواتف الذكية باسم "بريداتور"، طورته شركة "إنتليكسا"، التي أسسها ضابط الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق، طال ديليان، وينتشر نشاطها من أوروبا إلى أجزاء واسعة في جنوب الكرة الأرضية.

ووفقا للتقرير، فإن طائرة خاصة من طراز "سيسنا" حطت في مطار الخرطوم، في 18 أيار/مايو الماضي، ويرجح أنها سلّمت برنامج التجسس لقوات حميدتي، خلال توقفها هناك لمدة 45 دقيقة. وكان هذا "وقتا كافيا للربط بين الصراع الشرس على الحكم في السودان وبين فضيحة التجسس التي تعصف باليونان".

وكان يفترض أن تبقى تفاصيل وصول هذه الطائرة إلى الخرطوم سرية ومحفوظة في مكان غير متاح ومن دون تسجيلات عادية منظمة. وهذه السرية هي دليل على مدى قوة ونفوذ حميدتي، الذي يصفه التقرير بأنه "أغنى رجل في السودان ومالك جيش خاص، ووريث الإرث الدموي لجنجويد المعروفة بارتكابها جرائم ضد الشرية في إقليم دارفور".

ونقل التقرير عن ثلاثة مصادر مستقلة قولها إن الشحنة التي تسليمها في مطار الخرطون هي "معدات تجسس تم صنعها في الاتحاد الأوروبي، وبمقدورها تغيير ميزان القوى في الدولة بفضل قدرتها على تحويل هواتف ذكية إلى أجهزة تجسس ضد أصحابها. وعندما اكتشف خصوم حميدتي أن معدات التجسس هبطت في السودان، جرى تهريبها إلى المقر الرئيسي لقوات الدعم السريع في دارفور، كي لا يستولي عليه الجيش السوداني".

ويسعى حميدتي إلى السيطرة على السودان، وهو "يسيطر على صناعة الذهب فيه، ويحارب جنوده كمرتزقة في دول أجنبية، وله علاقات مع مجموعة فاغنر، أي ميليشيا المرتزقة الروسية". وأفاد التقرير بأن حميدتي التقى مرتين، منذ حزيران/يونيو 2019، مع مندوبين عن الاستخبارات الإسرائيلية، الذين وصلوا إلى الخرطوم بطائرة خاصة يستخدمها الموساد.


وكشفت الصفقة مع حميدتي عن علاقات مع جهات لها تأثير بالغ في اليونان وشبكة شركات في أنحاء قبرص وجزر العذراء البريطانية وإيرلندا، وأيضا عن الأزمة الآخذة بالانتشار في الاتحاد الأوروبي حول انتشار برامج تجسس واختراق هواتف في أنحاء العالم لدرجة "تهديد مؤسسات ديمقراطية وناشطي حقوق إنسان".

ووجد التحقيق الذي شمل عشرات السجلات لمسافرين ووثائق شركات وتسجيلات عمل ومعطيات أخرى سرية ومكشوفة، وجود علاقة بين طائرة الـ"سيسنا" التي هبطت في الخرطوم وبين ديليان ومقربين منه وعاملين في شركته، وبينهم ماروم هيرباز، الذي يوصف بأنه شخصية مركزية في أعمال ديليان.

وأظهر تتبع الرحلات الجوية لهذه الطائرة أنها تنقلت بين اليونان وقبرص وإسرائيل والشرق الأوسط وأفريقيا. "بالإمكان وضع رسم بياني لفضيحة دولية تقوض استقرار الدول التي تهبط فيها، فيما تُنقل إحدى أخطر التكنولوجيات في العالم إلى عدد من أنظمة الحكم الأكثر خطورة".

وتخصص ديليان، منذ تسرحه من قيادة وحدة النخبة التكنولوجية "81" التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، في معدات التجسس وأقام شركة "سيركليس" في قبرص ثم باعها في العام 2014. وانخرط في شراكة تجارية مع أبراهام شاحك أفني، المقيم في قبرص. وأسسا شركة لاعتراض اتصالات Wi-Fi باسم WiSpear وطورا سيارة تجارية محملة بمعدات تجسس، وبدأ ديليان يستعرضها في معارض، عام 2017.

وأسس ديليان وأفني، عام 2019، مشروع "حلف الاستخبارات"، وغايته "تزويد احتيات شاملة" إلى وكالات استخبارات حكومية. وأعلنا في بيان للصحافة عن مجموعة شركات بمقدورها تزويد معدات تجسس على أجهزة نقالة واستخراج معطيات منها، اعتراض اتصالات Wi-Fi ومعلومات من مصادر مكشوفة، وأنشطة سرية في الشبكات الاجتماعية ورصد مواقع جغرافية لهواتف، وإجراء تحليل "بيغ داتا" من أجل تصفية المعلومات الاستخباراتية التي يجري جمعها.

وسعى ديليان من خلال شراء شركات سايبر إلى تأسيس شركة "إنتليكسا"، وإلى منافسة شركة السايبر الهجومي الإسرائيلية NSO التي طورت برنامج "بيغاسوس" للتجسس على الهواتف.

ونقلت الصحيفة عن مصدر رفيع في صناعة السايبر الهجومي الإسرائيلية وصفه للفرق بين هاتين الشركتين، بأن " NSO عملت بموجب القانون الإسرائيلي وأحيانا باسم دولة إسرائيل. وكانت المشكلة بالسياسة الإسرائيلية والمفهوم الأخلاقي للشركة، التي باعت برامجها التجسسية إلى أنظمة تقمع حقوق الإنسان. وفي المقابل، إنتليكسا لا تنصاع للقانون الإسرائيلي وتبيع إلى زبائن مشابهين، وحتى أسوأ منهم، ويشكلون خطرا على مصالح دولة إسرائيل. وشركة لا تنصاع للقانون الإسرائيلي هي بمثابة منظمة قراصنة".

في آب/أغسطس 2019، نشرت مجلة "فوربز" مقابلة مع ديليان، تباهى خلالها بالسيارة التجارية المحملة بمعدات تجسس وأنه بمقدروها "اختراق أي هاتف ذكي والتوغل إلى جميع المراسلات فيه"، بما في ذلك تطبيقي "واتسآب" و"سيغنال". وأثارت هذه المقابلة قلقا في قبرص التي تخوفت من أن ديليان ينافس مخابراتها.

إثر ذلك داهمت السلطات القبرصية مكاتب شركة ديليان واعتقلت موظفين، بينما هرب الأخير وأفني من الجزيرة ونقلا أعمالهما إلى اليونان، واستخدم قدرات "إنتليكسا" لصالح السلطات اليونانية.

وتفجرت في اليونان فضيحة التجسس بواسطة برنامج "بريداتور" على الصحافي اليوناني الاستقصائي، تناسياس كوكاكيس، وبعد ذلك تبين استخدام هذا البرنامج من أجل التجسس على رئيس المعارضة اليونانية، ورئيس الحزب الاشتراكي اليوناني وعضو البرلمان الأوروبي، نيكوس أندرولاكيس. ووُصفت هذه القضية بـ"ووترغيت اليونان". وبعد ثلاثة أيام، اعترفت المخابرات اليونانية بالتجسس على أندرولاكيس، بموجب تعليمات صادرة عن رئيس الحكومة، كيرياكوس ميتسوتاكيس.

وسعت "إنتليكسا" إلى إبرام صفقات مع دول عديدة، وهبطت طائرة الـ"سيسنا" ذاتها في مطارات دبي وأبو ظبي والرياض. ودلّت وثائق وصلت إلى "لايت هاوس ريبورتس" وشركائها الذين أعدوا التقرير الاستقصائي، على أن "إنتليكسا" سعت إلى إبرام صفقات في أفريقيا، وارتبطت مع شبكة تجار أسلحة معروفين كي يروجوا لمنتجاتها في القارة. وتبين أن الزبائن المحتملين لبرنامج التجسس، إضافة إلى السودان، هم موزنبيق وأنغولا وكينيا وغينيا الاستوائية.

ورغم أن الحكومة اليونانية تعهدن بحظر بيع برنامج التجسس إلا أنها لم تعمل من أجل إغلاق مكاتب "إنتليكسا". وعادت الـ"سيسنا" إلى رحلاتها المكوكية، والتوقف في مطارات في شمال أفريقيا وسويسرا. "وعلى بُعد 4000 كم عند سلسلة الجبال في دارفور، أصبح برنامج التجسس الذي تم تسليمه إلى قوات حميدتي، ينفذ عمليات التجسس".