خبر : إما أن يتفقوا وإما أن تضيع ريحهم ..طلال عوكل

الجمعة 16 أكتوبر 2009 09:22 ص / بتوقيت القدس +2GMT
إما أن يتفقوا وإما أن تضيع ريحهم ..طلال عوكل



لم تشهد ساحة العمل الوطني الفلسطيني في تاريخها منذ نكبة العام 1948ما تشهده في هذه الفترة العصيبة من صراع وانقسام، واختلال فادح فاضح في الاولويات، وفي اطار العلاقة بين الخاص الفصائلي والعام الوطني.في اطار تشخيص الحالة العامة للقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني سنلاحظ ان المجتمع الدولي أخذ يتفهم أكثر فأكثر مدى تأثير الصراع الفلسطيني والعربي الاسرائيلي على المصالح والاستراتيجيات الدولية، إلى الحد الذي يدفع كل الاطراف الفاعلة دولياً، لإبداء اهتمام مركز وكبير ازاء ضرورة معالجة هذا الصراع والعمل على انهائه.المجتمع الدولي الذي ساهم في قيام دولة اسرائيل، ثم في حمايتها ودعم حقها في الوجود، اصبح يدرك الآن وبشكل جماعي شامل أن الوقت قد حان لقيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة اسرائيل كأساس لمعالجة القضية الفلسطينية.لم يحصل هذا الانجاز، بعد مؤامرات، ومحاولات، لطرد الشعب الفلسطيني من ارضه، وتشتيته وتوطينه في الدول التي يقيم فيها، ومسح هويته الوطنية والتاريخية، نقول لم يحصل هذا الانجاز الاّ عبر تضحيات ضخمة، وعذابات تكبدها الشعب الفلسطيني في مرحلة نضاله الطويل، لا يجوز ولا يحق لأحد ان يتجاوزها ويهيل عليها التراب.صحيح ان الاقرار بضرورة قيام دولة فلسطينية لا يعني ان الدولة قامت وانها يمكن ان تقوم بشكل اوتوماتيكي، فاسرائيل تصعّد من عدوانها ومخططاتها لالغاء هذه الامكانية، أو في اقل تقدير، ان هي اضطرت، فلتكن هذه الدولة وفق أضعف المقاييس، وبما يرهن مستقبلها وقدرتها على بلورة الهوية والكيانية الفلسطينية بالتحكم والسيطرة الاسرائيلية.ليس هذا وحسب بل وفي اطار منع او تأخير او تحجيم مواصفات الدولة الموعودة، واستباقاً لما سيأتي تكثف اسرائيل مخططاتها لمصادرة المزيد من الارض، والمزيد من العزل، والمزيد من تقطيع الأوصال والمزيد المزيد من تهويد القدس ومصادرة تاريخها وتراثها، ومعالمها وهويتها ومصادرة كل مستقبلها. وينطوي على دلالات بالغة الخطورة، اعلان سيلفان شالوم نائب نتنياهو، عن بدء معركة استعادة القدس، على اعتبار انها من وجهة نظر الكل الاسرائيلي العاصمة الابدية الموحدة لاسرائيل.وقد اصبح واضحاً ان ثمن قيام الدولة التي يؤيد كل العالم ضرورة قيامها، سيكون من وجهة نظر اسرائىل، او هكذا تحاول ان يكون، التخلي عن القدس، والتخلي عن حق عودة اللاجئين، والاعتراف فلسطينياً وعربياً ودولياً بالطابع اليهودي للدولة، وفتح الارض والمياه والاجواء العربية أمام التمدد الاسرائيلي وتطبيع العلاقات.وتحاول اسرائيل ان تحيل موضوع الدولة الفلسطينية القابلة للحياة والمتواصلة جغرافياً، وذات السيادة، الى دول فلسطينية بدلاً من واحدة، يبرر لها الانقسام الفلسطيني وحالة الصراع الداخلي ذلك، ويجعلها اقدر على التعامل مع الارادة الدولية، بما يخدم مخططاتها الخبيثة.والسؤال الجارح هل كان لاسرائىل ان تفعل كل ما تفعل في القدس لو ان الوضع الفلسطيني كان على غير ما هو عليه؟ ان ما يجري في القدس وحدها كفيل بأن يحرك انتفاضة شعبية كبرى، لولا ان اهلها منقسمون على انفسهم، يصرفون معظم وقتهم وجهدهم وطاقاتهم في الصراع الداخلي الذي يرهق الشعب، ويقوض عوامل الصمود ويشكل مبرراً لتهرب العرب والمسلمين من واجباتهم ومسؤولياتهم ازاء المدينة الاكثر قداسة.هكذا يبدو المشهد الفلسطيني دامياً، موجعاً، وغير مقنعة كل المبررات التي يسوقها القادة السياسيون الفصائليون الذين يصممون على تعميق وإدامة الانقسام غير عابئين بشعبهم والمشروع الوطني.لماذا يحتاج الاخوة المنقسمون والمتصارعون لتدخل ووساطة الاشقاء المصريين او العرب، حتى يجلسوا مع بعضهم البعض ولماذا لا يفعلون ذلك الاّ تحت طائلة الضغط، وإلى متى يتهربون من استحقاق انهاء الانقسام واستعادة الوحدة؟بعد أكثر من عام، تستمر الوساطة المصرية منذ آب العام الماضي، وتبدأ مفاوضات عبثية، يجرى تأجيلها المرة تلو الأخرى بذريعة مختلفة ومتبدلة في كل مرة، ثم ما ان تصل رحلة المفاوضات الشاقة إلى تاريخ الاستحقاق في الخامس والعشرين من الشهر الجاري، وتقدم مصر ما تعتبره ورقة، تستنفد كل قدرات الوسطاء على اشتقاق الحلول الوسط، ما ان تصل إلى هذا حتى يواجه الجميع سؤال التأجيل مرة أخرى.ان اضطرار البعض للقبول بتوقيع الورقة المصرية، لا يعكس حالة الرضى والتفاؤل المطلوبة والمنتظرة، ذلك ان هذا القبول جاء لتجنب الضغوط، ما يعني غياب الاخلاص والقناعة، وتأجيل معركة تخريب الاتفاق حين تتاح الفرصة.أما التنفيذ فهو مسألة أخرى، اذ تتضاءل الآمال بإمكانية تحريك الوضع الفلسطيني إلى افضل مما هو قائم.ثمة اعتراض أميركي صريح على مساعي الاتفاق، الذي يعتبره ميتشل، عاملاً مخرباً لجهود السلام، وثمة اعتراضات اقليمية وبعضها عربية، ما يعني ان عوامل التفجير قائمة على مختلف المستويات هذا فضلاً عن المخرب الاسرائيلي دائم الحضور.خلال الأيام الأخيرة، استمعنا إلى خطابات صعبة مليئة بالاتهامات والتخوين والتجريم، والتشكيك في الوطنية، والشرعية، وشروح عميقة وواسعة للأسباب والدوافع والاهداف المتضاربة التي تخدم سياسات العدو الاسرائيلي. والسؤال كيف يمكن للورقة المصرية أو غيرها ان تجمع بين استراتيجيات واهداف ودوافع وارتباطات مختلفة ومتباعدة عن بعضها البعض إلى الحد الذي سمعنا عنه وقد يكون فيه شيء بل اشياء من الصحة؟كيف لاتفاق لا يأتي لا من قريب ولا من بعيد على الموضوع السياسي، وعلى حكومة واحدة، ان يؤدي إلى تغيير المسار، ان ما تتضمنه الورقة المصرية، يتضمن الكثير من الحلول والمعالجات، بعقلية وسطية لكن القضايا التي يتجنب الاتفاق معالجتها هي الأهم وجوهر الخلاف.وفي الواقع ورغم علمنا بمكر السياسة ومتطلباتها الا ان ما وقع بين الاطراف، يصعب تجاوزه، والارجح ان البعض ينتظر الفرصة للاطاحة بالورقة والاتفاق، فكل ما يتحرك على الأرض ينطق فقط بلغة الانقسام.