هآرتس تتساءل: هل ستؤثر الحرب الدائرة في اليمن على مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران؟

الجمعة 21 يناير 2022 06:50 م / بتوقيت القدس +2GMT
هآرتس تتساءل: هل ستؤثر الحرب الدائرة في اليمن على مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران؟



القدس المحتلة / سما /

هآرتس - بقلم: تسفي برئيل                " “يجب أن تنتهي الحرب الدائرة في اليمن. ولتأكيد التزامنا، نوقف كل المساعدات الأمريكية للنشاطات الهجومية، بما في ذلك بيع السلاح الذي يتعلق بهذه الحرب”، أعلن الرئيس الأمريكي جو بايدن، في خطاب له في شباط بعد توليه لمنصبه. وجه هذا التصريح بشكل خاص إلى السعودية، التي اعتبرها بايدن في حملته الانتخابية “دولة مشوشة”، واتهمها بشن حرب طويلة في اليمن، قتل فيها مئات آلاف الأشخاص في المعارك أو بسبب الأمراض والجوع.

مرت سنة على ذلك، ولم تقترب الحرب من نهايتها، بل فتحت جبهة جديدة إلى دول الخليج. صواريخ وطائرات مسيرة مسلحة هاجمت الاثنين الماضي، ثلاث ناقلات نفط قرب أبو ظبي، ومطار المدينة أيضاً. قتل ثلاثة أشخاص، مواطنان من الهند وآخر باكستاني، وأصيب ستة أشخاص. هذا الهجوم غير المتوقع حدث بعد أن اختطف الحوثيون سفينة “روابي” التي تحمل علم الإمارات قرب ميناء الحديدة بذريعة أنها تنقل السلاح، خلافاً لادعاء أبو ظبي، الذي يقول إن السفينة كانت تحمل معدات لمستشفى في مدينة جيزان في السعودية.

        تأتي هذه التطورات الخطيرة بعد أن فتحت الإمارات وإيران قناة دبلوماسية، التي وقعتا في إطارها على اتفاق تجاري مهم، بحسبه ستصل البضائع من أبو ظبي إلى إيران، ومنها عبر الطريق البري إلى تركيا وأوروبا. قبل سنتين، تم التوقيع على اتفاق تعاون عسكري بين الدولتين، وكان هدفه تأمين الملاحة في الخليج الفارسي بعد أن سحبت الإمارات قواتها من اليمن، ثم توقفت هجمات الحوثيين ضدها عقب ذلك. أعلنت أبو ظبي هذا الأسبوع، بأنها ستعمل بكل قوتها ضد من نفذ الهجوم، لكنها كانت حذرة من إلقاء المسؤولية على إيران.

 أيمكن أن يكون الحوثيون هاجموا أبو ظبي دون تنسيق أو مصادقة من إيران؟ المنطق المقبول هو أن كل عمل عسكري للحوثيين، خاصة ضد الدول المجاورة، يكون منسقاً مسبقاً مع حرس الثورة و”فيلق القدس” الإيرانية التي تدرب وتمول القوات الحوثية في اليمن. ولكن يبدو أنه حدث خلاف شديد بين الحوثيين وإيران في الأشهر الأخيرة حول السلوك العسكري للحوثيين.

 في كانون الأول الماضي، توفي السفير الإيراني في اليمن، حسن ايرلو، الذي اعتبر “قاسم سليماني اليمن”. وأفادت التقارير الرسمية بأن ايرلو توفي بسبب كورونا وتأخر نقله من اليمن إلى إيران لتلقي العلاج. ولكن هناك من يشككون في مصداقية هذا التقرير، ويعتقد محللون في اليمن أن السفير توفي “بطريقة غير طبيعية”، ومن غير المستبعد أن يكون الحوثيون هم المسؤولين عن ذلك. تطورت بين ايرلو وقيادة الحوثيين علاقات مسمومة بسبب تصرف السفير كحاكم عسكري في المناطق التي احتلها الحوثيون.

 “كان ايرلو يتعامل مع قيادة الحوثيين وكأنه قائدهم. وقد استخف بقدرتهم واتهمهم بالعجز والفشل العسكري، بل ونقل أوامر مباشرة لقادة الحوثيين على الأرض أو بواسطة قادة ومدربين من “حزب الله” اللبناني (الذين أرسلتهم إيران لتدريب الحوثيين)، وليس عن طريق القيادة السياسية للحركة”، شرحت مصادر للحوثيين لوسائل إعلام يمنية. اشتكى الحوثيون أيضاً من أن إيران لم تساعدهم في المعركة الصعبة التي يديرونها لاحتلال محافظة مأرب وشبوة في جنوب اليمن، التي تتركز فيها القوة الأساسية من احتياطي النفط في الدولة.

 الحرب على مأرب وشبوة تجري منذ سنتين، واحتلال الحوثيين لها قد يحسم مصير حكومة اليمن المعترف بها ومستقبل الدولة. في هذا الشهر، وصلت هذه المعركة إلى الذروة عندما اقترب الحوثيون من مداخل المدينة، وووجهوا بمقاومة شديدة للقوات اليمنية التي استعانت بمظلة جوية سعودية، نفذت طائراتها 60 هجوماً في يومين، وقتل فيها 200 مقاتل حوثي تقريباً.

 هزيمة الحوثيين في مأرب وشبوة أثارت حملة اتهامات داخلية في أوساطهم حول المسؤولية عن فشل الهجوم. ثمة قادة ومقاتلون اتهموا القيادة الحوثية وحتى أنهم وجهوا خيبة أملهم نحو إيران، التي لم تمنحهم الدعم والمساعدة الكافية أمام قوات العدو، حسب رأيهم. في عدد من التصريحات، غضب الحوثيون لأن إيران تطور علاقات دبلوماسية مع الإمارات والسعودية، وهما الدولتان اللتان تهاجمان الحوثيين بقوة. سارعت مواقع إنترنت الحوثيين إلى نشر صور فظيعة حول نتائج هجمات السعودية في العاصمة صنعاء، التي ظهر فيها أطفال ونساء وشيوخ قرب البيوت المدمرة، ومستشفيات وعيادات فارغة، وغرف عمليات تضاء بالمصابيح بسبب نقص الوقود.

 أوضح الحوثيون وبحق أنه رغم سحب الإمارات قواتها في 2020 إلا أنها تواصل تمويل ومساعدة قوات محلية وتشغلها ضد الحوثيين. القوة الأساسية التي تشغلها أبو ظبي تسمى “قوات العمالقة”، التي تضم 50 ألف مقاتل. طورت الإمارات هذه القوات وشكلت منها 17 لواء، تعمل خارج الإطار العسكري في اليمن، وهي غير خاضعة لحكومة اليمن المعترف بها والتي يعيش رئيس حكومتها، عبد ربه منصور هادي، في الرياض.

 خصصت أبو ظبي هذه القوات لخدمة أهدافها، ولكي تبني لها قاعدة نفوذ عسكري وسياسي، بواسطته يمكنها المنافسة في السيطرة على اليمن أمام السعودية. “العمالقة” كانت القوة الأساسية التي سيطرت على عدن، التي أصبحت العاصمة البديلة لصنعاء التي احتلت في 2014 من قبل الحوثيين. بعد ذلك شنت هذه القوات معارك ضد الخصوم السياسيين الخاضعين لحكومة اليمن. في المعركة على محافظة شبوة ومأرب، أمرتهم الإمارات بالقتال ضد الحوثيين، وحسب تقارير من ساحة المعارك، يتبين أن هذه القوة كانت الأكثر نجاعة في إحباط هجوم الحوثيين. بطبيعة الحال، وجدت أبو ظبي نفسها في مرمى النار وتحولت مجدداً إلى هدف لهجمات الحوثيين.

 الخوف الآن من خروج الحوثيين عن سيطرة إيران وإدارتهم حرباً خاصة بهم لا تأخذ المصالح والخطوات السياسية الإيرانية في الحسبان. جربت إيران في السابق مثل هذا التطور في العراق، عندما انقسمت المليشيات الشيعية التي تمولها. والوحدات التي ما تزال تخضع لأوامرها، لا تظهر امتثالاً كاملاً للتعليمات التي تأتي من إسماعيل قاآني الذي حل محل قاسم سليماني. يبدو أن قاآني لا ينجح في فرض إرادته عليها ويمنعها من تنفيذ عمليات مستقلة تستند إلى أجندة سياسية محلية.

 الحوثيون بهجماتهم ضد دول الخليج، يوضحون أن السيناريو الذي تعد فيه إيران صاحبة البيت الحصرية والتي يمكنها أن تكون الوسيط بينهم وبين السعودية والإمارات وبهذا تحصل لنفسها على رأسمال سياسي في المنطقة وفي الغرب، هو سيناريو غير مضمون، ويتعلق نجاحه قبل أي شيء آخر بتحقيق طلبات الحوثيين.

 رفض الحوثيون، الذين أداروا حواراً مع السعودية في السابق، كل اقتراح لحل دبلوماسي ما دامت السعودية والإمارات تهاجمهم بمساعدة أمريكية. يطالب الحوثيون بإخراج القوات الأجنبية من اليمن، ودفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بهم في سبع سنوات الحرب، وتوزيعاً عادلاً للموارد والمناصب السياسية بواسطة الحوار بين الأطراف. كل محاولات الوصول إلى طاولة المفاوضات فشلت حتى الآن. وباستثناء تصريحات وزيارات من قبل مبعوثي الأمم المتحدة والمبعوث الأمريكي الخاص إلى اليمن، لم تبدأ أي خطوة حقيقية.

 الإدارة الأمريكية التي بدأت حملتها اليمنية بقرار استهدف إرضاء الحوثيين بإزالة اسمهم من قائمة التنظيمات الإرهابية الدولية، هي في الواقع جمدت بيع السلاح الهجومي للسعودية، لكنها في تشرين الثاني الماضي صادقت على صفقة لبيع صواريخ جو – جو بمبلغ 650 مليون دولار. الإدارة الأمريكية فسرت الصفقة بأن الأمر يتعلق بسلاح دفاعي لن يستخدم في حرب اليمن.

 الآن، وجد بايدن نفسه في مأزق. مهاجمة أهداف في الإمارات وتصميم الدولة على الرد، قد تشعل ساحة المعركة أكثر، بل ستهز المفاوضات حول الاتفاق النووي مع إيران. وحسب واشنطن، فإن الحوار الدبلوماسي الذي تطور بين السعودية والإمارات من جهة وإيران من جهة أخرى، قد يشجع إيران على تليين مواقفها في المفاوضات من أجل الدفع بعلاقاتها مع دول الخليج بعد أن وضعت تحسين علاقاتها معها على رأس سلم أولويات سياستها الخارجية.

 وإن لم تعدّ حرب اليمن جزءاً من المفاوضات النووية، فيمكن للولايات المتحدة وحلفائها في الخليج التطلع إلى ترغيب إيران في إنهاء الحرب لتمهيد الأرض لتعاون اقتصادي وسياسي أكبر مع جاراتها. للمفارقة، حدث الآن بين إيران وواشنطن اتفاق مصالح غير معلن للعثور على حل سياسي يضع نهاية للحرب. إذا اشتعلت المواجهة في أعقاب الهجوم من جديد مع الحوثيين، فان سيناريو المصالحة هذا قد يتحطم وتضطر الولايات المتحدة إلى إعطاء الضوء الأخضر للسعودية والإمارات لشن حرب شاملة في اليمن، رغم فشلهما حتى الآن في تحقيق حسم رغم تفوقهما العسكري.

 ولتهدئة الإمارات والسعودية، أفادت مصادر في الإدارة الأمريكية بأن الرئيس بايدن يفحص وضع الحوثيين في قائمة التنظيمات الإرهابية الدولية، ويتبنى بذلك قرار ترامب. ولكنه قرار سيصعب إدارة مفاوضات سياسية منفصلة معهم، ويدعم طلباتهم في توزيع عادل للسلطة والموارد. السيناريو الأكثر تهديداً هو الذي سينجح فيه الحوثيون في نهاية المطاف في احتلال محافظات النفط في اليمن، وبهذا يفرغون حكومة اليمن من معظم مصادر دخلها. هذا التطور سيعطي الحوثيين مكانة حكام الدولة، وسيجبر الإدارة الأمريكية ودول المنطقة على اتخاذ قرار بشأن سياسة جديدة نحوهم، الأمر الذي يعني إما الحرب أو الاعتراف بحكمهم وانتصار إيران