معاداة العدو فيها حياة، وصداقته فيها الذل والموت. وإذا تكلمنا عن صداقة عدو يحتل أرضك ويلاحق وجودك فهذ ارتماء وطن وشعب بحضن مفترس حقير وفعل خياني لا تعدله خيانة. التجربة وراء الأخرى مررنا بها من واقع صداقة النظام الأردني للمحتل وتحالفه مع معسكر العدو، وكلها تدلل على أن دم الأردني وكرامته يصبحان مع هذا التطبيع المشين خارج اعتبارات قيادة النظام وخاصة عندما يكون الأمر متعلقاً بالكيان المحتل. يُسفح دم مواطنينا في عقر عمان ويعاد الجناة بحراسة مشددة الى وكر الإحتلال وعلى الفور. أسرانا يَقضون السنين في سجون الإحتلال استحقاقاً للنهج الذليل، يُذبح القاضي الأردني وغيره ميدانيا على حدود فلسطين بالمجان، ولا نشهد موقفاً. تهان جموع زوارنا لذويهم يومياً على الحدود بينما يُكرَّم الصهاينة في الأردن وتقدم لهم الحماية حين يأتون بمهمات لخدمة الإحتلال. سفارتنا في تل أبيب ذليلة لا عمل لها إلا تثبيت الإعتراف بالإحتلال، وسفارتهم مستوطنة مسلحة في عمان لها دور عملي..
الكلام هذا يعرفه كل مواطن، ولكن له مناسبة. لقد دخل أراضي فلسطين مواطنان أردنيان في هبة عاطفية، وغسلاً لعار صمت نظامنا على مشاهد الإجرام بإخوتنا وبالأقصى. ولم يدخلوها تسللاً. هذان البطلان يتعامل معهما النظام كما يتعامل مع سجينان بتهم جنائية ً. حيث يطلب من السفارة تحت ضغط ذويهم أن يذهب أحد موظفيها لزيارتهما ويعود لطمأنة ذويهم بمتابعة مجرى القضية. بينما كنت أحلم أن النظام سيستغل الظرف ويجعل منهما قضية تغطي على موقفها الذليل المخزي والمعيب من الإعتداء المجرم على الأقصى وجرائم التطهير العرقي في القدس والإبادة في غزة، وأن تستل هاتفها كما فعل نتنياهو لتأمين عودة المجرمين قتلة أبنائنا واستقبالهم وشرب نَخَب… معاً، وتقول له هيّا بيّض وجهي كما بيضتُ وجهك في كل مرة. لماذا لم يفعل النظام هذا؟ أليس هذان البطلان بفعلهما يمثلان كيف تكون الرعاية الأمينة للأقصى، أم أن حماية الإحتلال أولوية عند النظام؟
إرفع رأسك فانت أردني، هذه مقولة خاطبنا بها النظام. رؤوسنا يا صاحب القرار لا ترفعها مواقف الذل ولا الإستسلام للعدو ولا الإطاحة بالدولة وسمعتها ولا استباحة الصهيوني لها ولا التمسح لأذلة الأمس وعبيد اليوم من صبيةِ وغلمان الأعراب من أجل دراهم. على مدى قرن هو عمر الدولة كانت رؤوسنا مرفوعة ورأس النظام وحده مطأطأ بإذلال، على مدى قرن ونحن صامدين أمام كل سياسات ومحاولات النظام للنيل من كراماتنا الوطنية والإنسانية مستقويا بأعدائنا لخفض رؤوسنا لمستوى رأسه، وفشِل.
التطبيع مع العدو أنتج استباحة وطننا ومقدراتنا وحقوق شعبنا وأفقرنا وغيب من يمثلنا إرادتنا رسمياً بحق، ومن يتكلم باسمنا حقاً أو يدافع عن الوطن والمواطن. بينما معاداة العدو ومواجهته أنتجت عزاً وكرامة وحرمة للحقوق، وأنتجت الحسابات لدى العدو بأن كل حركة له باتجاه مواجهيه لها ردة فعل.. البَطلان الأردنيان هويتهما في سجون الإحتلال هي في حكم السجَّان “بدون ” فلا دولة أو حكومة له أو خلفه، بينما يعلم الصهيوني بأن هوية الأسير الفلسطيني خلفها مقاومة فلسطينية مواجهة وقاهرة له. العالم وفي مقدمته المعسكر الصهيوني وكيان الإحتلال بالذات يعترفون في الواقع بهذه المقاومة ولها فقط يحسبون، وبأنها الممثل الحقيقي والصلب للشعب ولطموحاته. ويتعاملون معها بندية سياسية واعتبارية، وما الإدعاء بعدم الاعتراف بها سوى رياء يسوقونه على مطبعي العرب المرتمين بحضن الصهيونية.
كل أردني تمنَّى أن يكون هو من تمكن وعبر الحدود ليلبي نداء الأقصى ونداء فلسطين. إنه نداء الكرامة والضمير الذي لا يعرفه النظام المرتمي. نحن ووطنا بعرف النظام بضاعة للمتاجرة والمكرمات، والنظام بعرفنا أسير لطبيعة علاقته مع العدو ولنهج الإذعان. ومن لا يملك الرغبة أو المقدرة أو الإرادة لحماية شعبه وحقوق شعبه على أرضه، ويفتك به بدلا من ذلك، لا يُنتظر منه أن يحمي مواطنيه خارج أرضه.
لا تيه اليوم بين المُستَغْرَب والطبيعي. ولسنا طلاب مواقف مستغربة.. ليس منا ما دام النظام على نهجه السياسي التبعي أن يتوقع من هذا النظام بنهجه غير الشر والخنوع والذلة. المُستغرب والمُستبعد هو أن يقف هذا النظام مع أبطالنا في سجون الإحتلال، أو أن يتجرأ على مواجهته وتهديده لإعادتهما خلال ساعات وإلّا سيفعل كذا…، فهو لا يطاول السيد نتنياهو حين أمر أو هدد من أجل إعادة مجريمه القتلة…… أما الطبيعي فقد حصل حين بادرت المقاومة الفلسطينية بالتعهد أن يكون الأبطال الأردنيون على رأس قائمة المُطالَب بالإفراج عنهم في سياق عملية التبادل. وبالتأكيد أن موقف المقاومة الفلسطينية هذا لا يُشعِر النظام بعار خذلان مواطنيه والتخلي عنهم. ولكنه يُشعرنا بالفخار والإنتماء. فنحن الأردنيين اليوم نُقيِّم أنفسنا بأنفسنا ونُعرِّف أنفسنا بوطننا، ونحن من نحمي هويتنا العربية الأردنية. نحن والشعب الفلسطيني جسد واحد بقضية واحدة والمقاومة تمثلنا فنحن منها وهي مناّ. وعلى الكيان الصهيوني ومستوطنيه أن يدركوا المعنى من موقف المقاومة الفلسطينية من أبطالنا الأردنيين. فنحن في الواقع كما احتسبونا في وعد بلفور وسايكس بيكو شعباً واحداً على ارض واحدة.
نتمنى على النظام السياسي الأردني أن يفكر التفكير الاستراتيجي المبني على الواقع الشعبي الأردني، ويتخذ القرار الحكيم. الشعب الأردني اليوم موحد على رفض النهج السياسي اللعين ورفض العملاء والجواسيس والفاسدين، ورفض إعادة إنتاجهم تحت أي عنوان إصلاحي. ومصمم على استعادة الدولة. لم يعد في الأردن بيت إلّا وكشف زيف وخطورة نهج النظام. فالحلقة تضيق على هذا النهج السياسي. الشعب كله يرفض الرضوخ لأية اتفاقية مع العدو المحتل. لا مجال بعد للدسيسة في صفوف شعبنا، ولا لفرض خيارات العدو عليه. وإن كان يطرب لتقسيم شعبنا بمصطلح العشائر ليعلم أننا عشيرة واحدة إسمها الشعب الأردني. الشعب باتجاه العصيان المدني بدءاً بكل ما له علاقة بالمصالح الصهيونية. النظام السياسي اليوم يواجه مفصلا تاريخياً في الأردن، وهذا وقتها لتكون من الشعب ومعه. لا للترقيع بعد، ولا للتسويف ولا للإلتفاف على الإصلاح السياسي الجذري الحقيقي.
كاتب وباحث عربي


