كانت جدتي تقول إنها قد وضعت ابنها فلاناً قبل "المهاجرة" بعامين، وتقصد بالمهاجرة الرحيل من قريتهم في نكبة العام 1948 وحيث كان التهجير حلقة فاصلة في التاريخ الفلسطيني، وحيث استقرت عائلتي التي انحدر منها في احد مخيمات اللاجئين الثمانية في غزة، وطال انتظار العودة وعاشت جدتي حتى بداية الثمانينات من القرن الماضي، وظلت تحسب اعمار اولادها الذين تشتتوا في الغربة بتاريخ "المهاجرة"، وحين تشحذ ذاكرتها فهي تتكلم عن أيام البلاد في حنين منقطع النظير، وتسهب في وصف خير الأرض ونشاطها كفلاحة تساعد زوجها في أعمال الزراعة وتخزين مؤونة العائلة الكبيرة.
وحين كانت خالتي التي لم تدخل المدرسة تريد أن تحدد أعمار أولادها فلديها مناسبة أخرى، فتقول عن احدى بناتها أنها قد ولدتها قبل اليهود، والحقيقة انها حين كانت تقول هذه العبارة كنت أعتقد لصغر سني ان اليهود امرأة تلد وقد ولدت خالتي ابنتها قبلها، وعندما كبرت فهمت وأدركت حسابات خالتي، فهي قد حددت العام 1967 وهو تاريخ احتلال قطاع غزة بأنه حلقة فاصلة جديدة في تاريخ الشعب المهجر في غزة، وحيث كانت تعدد أولادها الذين ولدتهم قبل العام 1967 وبعده، وترى أن الاولاد الذين ولدوا بعد هذا التاريخ لا يزالون اطفالاً، وتصفهم بالجهالة، وهكذا كانت تجتمع مع أمي وتستعيدان الذكريات، وكيف ولدت خالتي جيشاً من الأبناء قبل اليهود، في حين أن امي قد وضعت اولادها بعد اليهود وهناك فارق عمري بين اولاد وبنات الخالة.
ومرت بنا السنوات الأليمة كشعب يقدم التضحيات على مر التاريخ وبدأنا نؤرخ لمناسباتنا بتاريخ انتفاضة الحجارة، ويكفي ان تقول احداهن انها تزوجت في العام الذي انطلقت فيه انتفاضة الحجارة لكي يفهم من حولها انها قد تزوجت في العام 1987، وأنها تزوجت دون حفل زفاف بل إنها لم تحظ بارتداء ثوب الزفاف الابيض.
كبرنا وتقدم بنا العمر وصرت ألتقي بأمهات حددن تواريخ ولادة أطفالهن، بأن هذا قد ولد خلال عدوان العام 2008 على غزة، وآخر قد ولد بعد العدوان بعام، وهذا قد ولد في العام 2014 خلال العدوان الذي استمر لأكثر من خمسين يوماً على غزة، وبتنا نحفظ تواريخ ومناسبات مع أحداث مريرة مرت بغزة وأهلها خصوصا.
اليوم تجد نفسك جالساً في صمت وانت تتأمل ولادة الصغار إبان أيام العدوان، وذلك المولود الذي حصل على حمامه الأول في مدرسة تابعة للأونروا، وهناك مولود قد فقد بعد قصف بيت عائلته، وهناك طفل اسمه عمر هو الناجي الوحيد من بين اخوته، ولم يبق له سوى الأب المكلوم.
هذه التواريخ التي لا تنسى والتي سجلت بتاريخ المرارة والفقد والألم، والتي يجبرنا التاريخ على استخدامها والتأريخ لمناسباتنا الخاصة بواسطتها بها، لكي تكتشف كم هو مؤلم ذلك وموجع، ولتدرك حجم الألم والمعاناة التي لا زال يكابدها الناس في قطاع غزة، القطاع الشريطي الساحلي الذي يسجل أعلى كثافة سكانية في العالم، ورغم ذلك فقد تحمل ما لم تتحمله أي بقعة في العالم، واصبح ينادي بأنه يريد حياة آمنة كريمة، والحقيقة أننا نريد ذكريات سعيدة وايجابية لكي نؤرخ لمناسباتنا السعيدة.
اليوم تهدمت البيوت وبدأت ازالة الانقاض وأتمنى ان يتم احاطة كل بيت سوف يعاد بناؤه ضمن حملة اعمار غزة بسور من الاشجار الخضراء، يجب ان توزع الشتلات الصغيرة مع مواد الاعمار، نريد أن نزرع طاقة الحياة علها تتغلب على طاقة الموت، ونريد أن نخلد مناسباتنا بيوم أن زرعنا شجرة زيتون صغيرة وكبرت مع الطفل الأول أو الثاني للعائلة، أو بشجرة جوافة أو حتى دالية عنب.
يجب علينا ان نضع تقويما جديدا لغزة بعد العدوان الأخير، غزة الناهضة التي نزفت وروت الأرض حتى شبعت وتشبعت، وقد آن الأوان أن نصنع رموزا للحياة فيها بعيدا عن طاقة الموت والضياع والهدم والتهجير.
الخطة أو الخطوة بسيطة، دعونا نزرع ونؤرخ لمناسباتنا القادمة بتاريخ زرع شتلاتنا، ففي غزة كفانا ألما ونحن نربط كل مناسبة جميلة في حياة بؤسنا بحرب او تهجير.


