الانتخابات التي تكون فيها النتيجة معروفة الى هذا الحد او ذاك مسبقا، تجلب معها احيانا نسبة تصويت متدنية وعدم اكتراث من الناخبين. ليس هكذا كان الحال في تركيا، رغم أنه كان معروفا تماما بان اردوغان وحزبه سينجحان في ان يشكلا وحدهما الحكومة القادمة ايضا. صحيح أن نسبة التصويت في تركيا علية دوما لان التصويت يعتبر واجبا، ولكن حقيقة أن نحو 87 في المائة هي نسبة التصويت، مثل حقيقة أنه اكثر من الماضي ركز المقترعون على التصويت للاحزاب الكبرى، هما اللتان أدتا الى النتائج التي تبدو للجميع مرضية. نسبة التصويت للحزب الحاكم، حزب العدالة والتنمية ازدادت (من نحو 47 في المائة في الانتخابات في العام 2007 الى نحو 50 في المائة في انتخابات 2011). نسبة المقترعين لحزب المعارضة الرئيس، حزب الشعب الجمهوري، ازدادت هي ايضا (من نحو 21 في المائة الى 26 في المائة)، ونسبة المقترعين لحزب المعارضة الثاني، الحزب الوطني وان كانت تقلصت قليلا (من نحو 14 في المائة الى نحو 13 في المائة) الا انه نجح في اجتياز نسبة الحسم العالية في تركيا (10 في المائة). اذا نظرنا الى النتائج بعمق أكبر، يتبين مع ذلك خيبة أمل ما لحزب العدالة والتنمية من انجازاته في الانتخابات، وذلك لانه رغم الارتفاع في نسبة التصويت له فقد طرأ تقلص في عدد المقاعد التي فاز بها هذا الحزب في البرلمان (من 331 مقعدا من أصل 550 في انتخابات 2007 الى 326 مقعدا في الانتخابات الحالية)، بسبب طبيعة طريقة الانتخابات في تركيا. معنى الامر ان حزب العدالة والتنمية سيتعين عليه أن يتعاون على الاقل مع واحد من احزاب المعارضة أو مع الممثلين المستقلين في البرلمان (الشكل الذي يتنافس فيه الاكراد في الانتخابات في تركيا، بسبب الخوف من الا يتمكنوا من اجتياز نسبة الحسم العالية) اذا كان يرغب في أن يؤدي الى دستور جديد، مثلما وعد في حملة الانتخابات. القفز عن عائق البرلمان وان كان يوجد اجماع واسع حتى في أوساط المعارضة بان تركيا تحتاج بالفعل الى دستور جديد، بل وان كان يبدو أن من الاصح للشعب التركي ان يقر مثل هذا الدستور على اساس اجماع برلماني واسع ومن خلال استفتاء شعبي. الا ان المعارضة تعارض احد الاصلاحات المركزية التي يقترحها اردوغان على الدستور الجديد، تغيير النظام في تركيا الى نظام رئاسي. اردوغان جد معني بدفع مثل هذا التغيير الى الامام لان الامور النظامية تملي بان تكون هذه على ما يبدو هي الولاية الاخيرة له التي يمكنه أن يتولى فيها منصب رئيس الوزراء. اذا ما نجح حزب العدالة والتنمية في القفز عن عائق البرلمان، فان النجاح في إقرار دستور جديد في استفتاء شعبي مضمون على ما يبدو – هكذا مثلا الاستفتاء الشعبي السابق على الاصلاحات في الدستور في ايلول 2010 أقرت باغلبية 58 في المائة، أي أكثر من نسبة المقترعين الحالية لحزب العدالة والتنمية. نجاح اردوغان وحزبه في نيل عدد اكبر من الاصوات مما في الانتخابات السابقة واستطلاعات الرأي العام التي تشير الى أن الجمهور التركي متفائل بالنسبة لمستقبل تركيا تدل على انه كان هنا عمليا تصويت ثقة باردوغان. فالناس يثقون به في أن يتمكن من مواصلة دفع اقتصاد تركيا الى الامام، تطوير بناها التحتية، بل وعلى مضض البعض ولكن لفرحة الكثيرين – السماح بمكان أوسع للدين في الحياة اليومية وفي السياسة التركية. كما أن الكثير من اولئك الذين صوتوا لحزب المعارضة في خفاء قلوبهم راضون عن أنه سيواصل كونه رئيس الوزراء، يبقى الاستقرار السلطوي في تركيا ثابتا. التصويت لاحزاب المعارضة لم يكن بالنسبة للكثيرين محاولة لاسقاط اردوغان بل لكبح جماح قوته. اذا لم ينجح حزب العدالة والتنمية في تحقيق التغييرات في الدستور وتحويل تركيا الى ديمقراطية رئاسية، فستكون هذه كما أسلفنا الولاية الاخيرة لاردوغان كزعيم للدولة. شخصية اردوغان وتصريحاته المثيرة للخلاف تضمن أن يكون الامر مشوقا.