تُبين خطبة رئيس الحكومة السياسية أول أمس استنتاجا واضحا وهو أن بنيامين نتنياهو يستعد لمواجهة الفلسطينيين. أراد نتنياهو عشية خروجه الى الولايات المتحدة أن يجند الرأي العام وأن يحرز وحدة داخلية. وترمي رحلته الى واشنطن الى الحفاظ على التأييد الامريكي لاسرائيل استعدادا للانتفاضة الثالثة. تقويم نتنياهو للوضع كئيب. فالشرق الاوسط تزعزعه عاصفة عدم استقرار. وتسعى ايران وحليفاها حزب الله وحماس – "الطغاة الجدد" كما يقول نتنياهو – الى القضاء على اسرائيل والشعب اليهودي. وليس لاسرائيل شريك فلسطيني في التفاوض والتسوية السلمية، ولن يكون لها شريك كهذا في السنين القريبة ايضا. تحدث نتنياهو في الفقرة الرئيسة من خطبته عن البنت الفلسطينية في مظاهرة يوم النكبة في بلعين التي أمسكت مفتاحا كبيرا بيدها. "يدرك كل فلسطيني أي مفتاح يُتحدث عنه هنا. لم يكن ذاك مفتاحا لبيوتهم في بلعين أو في نابلس أو في رام الله بل كان مفتاح بيوتنا في يافا وعكا وحيفا والرملة". الرسالة واضحة هي أننا نحارب عن بيتنا. فـ "هم" يريدون طردنا من هنا واقامة فلسطين على أنقاض اسرائيل. فالآن هو الوقت للتحصن ومناضلتهم. في يوم النكبة هذا الاسبوع طوق الفلسطينيون اسرائيل طوقا اعلاميا. فبدل مظاهرات عنيفة في المناطق خرجوا من مخيمات اللاجئين في سوريا ولبنان وغزة الى أسوار الحدود في الشمال والجنوب. هذه هي الرواية التي يريدون أن يهبوها للرأي العام في الغرب وهي انهم متظاهرون غير مسلحين جاءوا لطلب العدل وتحقيق حق العودة. لا ارهاب ولا منتحرين مُحرَّضين بل احتجاجا غير عنيف على الاضطهاد والاذلال. مثل المهاتما غاندي والمتظاهرين في ميدان التحرير. الشبه المُلح بالتاريخ الصهيوني هو سفن المهرَّبين الذين كسروا الحكم البريطاني في ارض اسرائيل. نجح البريطانيون في مجابهة تهريب المهاجرين. فقد أعاقوا أكثر السفن في عرض البحر. لكنهم لم ينجحوا في مجابهة تفوق الوعي لشعب مضروب قُتل ثلث أبنائه في المحرقة ويريد الباقون العودة الى وطنهم التاريخي. يريد الفلسطينيون الآن فعل الشيء نفسه باسرائيل: فهم يسيرون الى ارض آبائهم مع أعلام وأناشيد وطنية ويطردهم العدو الصهيوني باطلاق النار نحو جحيم بشار الاسد. عزز الرئيس الفلسطيني محمود عباس هذه الرواية بمقالته أمس في صحيفة "نيويورك تايمز"، التي انحصرت في طرد الفلسطينيين عن بيوتهم في 1948 (تجاهل رفضهم قبول قرار التقسيم ومحاربتهم الاستيطان اليهودي). كتب عباس ان اعترافا دوليا بفلسطين وقبولها للامم المتحدة سيكونان تعويضا عن مظالم الماضي ويمنحان الفلسطينيين وسائل دبلوماسية وقانونية للاستمرار في نضالهم لابعاد اسرائيل عن المناطق. أعلن نتنياهو أول أمس ان حكومة المصالحة الفلسطينية لعباس وحماس لن تكون شريكا في السلام وبهذا وضع حدا لاحتمالات التفاوض. وكي لا يُتهم بالرفض أشار في خطبته اشارتين الى مرونة في المستقبل. فقد جرت مضاءلة طلبه وجود الجيش الاسرائيلي على حدود فلسطين الخارجية من "غور الاردن" الى "نهر الاردن" بمشورة وزير الدفاع اهود باراك. وأصر نتنياهو ايضا على الحفاظ على كتل الاستيطان وأشار ضمنا الى أن ما هو خارج الكتل الاستيطانية مفتوح للمساومة. ليس هذا موقفا جديدا؛ فقد وزن إدخاله في خطبة بار ايلان قبل سنتين وقرر أن ذلك سابق لأوانه. منذ ذلك الحين زار معاليه ادوميم واريئيل وغوش عصيون وصرح بأن تبقى الى الأبد في يد اسرائيل، لكنه لم يقل كلاما مشابها على كريات أربع أو ايتمار. كلام نتنياهو جيد عند محبي التنويع والاجترار لكنه بلا معنى على الارض. فقد طُلب الى نتنياهو ان يدفع شيئا ما عن الوعد الامريكي ان تنشأ فلسطين بالتفاوض فقط لا باجراء من طرف واحد. رمى بعظمتين جافتين، وغدا سيحصل على مقابل ذلك من الرئيس براك اوباما. سيسهل على الجمهور الاسرائيلي ايضا ان يؤيد الحكومة اذا اقتنع بأنها مستعدة لـ "النزول عن أجزاء من الوطن" مقابل السلام. كانت "انتفاضة الأسوار" في يوم الاحد هذا الاسبوع تبشيرا بالمجابهة التي أخذت تقترب مع الفلسطينيين. يريد نتنياهو أن يبلغ الى هناك مستعدا والجمهور من ورائه والامريكيون الى جانبه. ستنحصر عروضه في واشنطن في هذا الشيء.