خبر : الانفصال عن التاريخ / بقلم: دافيد زونشاين وميخال لبرطوف / هآرتس 15/5/2011

الأحد 15 مايو 2011 05:44 م / بتوقيت القدس +2GMT
الانفصال عن التاريخ / بقلم: دافيد زونشاين وميخال لبرطوف / هآرتس  15/5/2011



 لا يمس قانون النكبة الجديد الذي رُفعت عليه في المدة الاخيرة دعوى استئناف الى محكمة العدل العليا، بحقوق عرب اسرائيل الأساسية فقط. فهو قانون يسلب الاسرائيليين جميعا الحق (والواجب) في معرفة تاريخ الدولة التي يعيشون فيها، ولهذا يمنع مواطني اسرائيل ان يفهموا ويدرسوا ويبحثوا ويحللوا كما ينبغي المعاني التاريخية والاجتماعية والسياسية لتأسيسها.             ليس عرضا ان تنحصر مواد القانون الغامضة في رفض التعبيرات العاطفية والنصية للانشغال بالنكبة. القانون يرمي الى تشديد وتعميق التصور السائد عند يهود اسرائيل وقادتها ومؤداه ان العرب جمهور دون بدائي تحركه العواطف في الأساس. إن نفي امكانية معرفة المسارات التاريخية التي صاحبت اقامة الدولة وتفهم وجهة النظر الفلسطينية من هذه الحادثة، يحولان مصطلح النكبة في نظر يهود اسرائيل من مصطلح يتناول واقعا تاريخيا الى مصطلح ينفصل عنه تماما.             إن قطع الاسرائيليين عن الحقائق التي تصحب النكبة ليس جديدا. فالخطاب الاسرائيلي يغيب عنه تماما كل أثر لوصف أحداث 1948 من خلال عيون غير يهودية. فبالنسبة ليهود اسرائيل لا توجد سوى سلة حقائق واحدة يجب تحليل اقامة الدولة بحسبها. ولا جدل مع الحقائق التي لا تستوي والتحليل المقبول، ولا يحاولون دحضها بل يزيلونها ببساطة من السلة.             وبهذا، كما يعتقد المبادرون للقانون وأنصاره، تُطرح سلال الحقائق هذه لا من جدول العمل اليومي فحسب بل من المسارات التاريخية في الماضي والحاضر والمستقبل ايضا. لأننا اذا لم نتحدث مثلا عن القرى التي مُحيت فلن نضطر الى أن نشغل أنفسنا بآثار المشروع الصهيوني على حياة سكان هذه القرى وعلى حياة أبنائهم. مع محو كل حقيقة تتعلق بمشكلة أو مظلمة وقعت بالعرب من سكان البلاد بسبب انشاء الدولة، لا عجب أن ليس الجمهور الاسرائيلي اليهودي وحده هو الذي لا يفهم ما الذي يتحدث عنه العرب عندما يتحدثون عن النكبة؛ فبالنسبة لأكثر الاسرائيليين مصطلح "النكبة" هو صرف للنقاش من مستوى الحقائق والتاريخ، أي "اليهودي" الى المستوى العاطفي، أي "العربي". وفي التجربة العاطفية الاسرائيلية التي ترفض مجابهة أي ظل داخلي، تُصنف النكبة على أنها نتاج خطر لـ "خيال شرقي أهوج" وعنيف ينبغي كف جماحه قبل ان يثور علينا لابادتنا.             إن قانون النكبة يرسخ اذا الموقف الخطر الذي يرى التصور العربي لأحداث 1948 تصورا غير عقلاني وليست له صلة بالحقائق ولا يقوم سوى على المشاعر؛ مشاعر الكراهية بطبيعة الامر التي لا يمكن فعل شيء في مواجهتها سوى القتال. ليس هذا الموقف خطرا لانه عنصري فقط بل لانه يُخرج الصراع الاسرائيلي الفلسطيني من المجال السياسي وأساسه معرفة الحقائق والمسارات والقدرة على تحليلها بجدية وأن تصاغ بحسبها سياسة تفضي الى التغيير والتحسين والاصلاح. بدلا من ذلك ينقل موقف قانون النكبة الصراع الى المجال الأسطوري، والمُفارق وغير التاريخي. وهو مجال ليس للانسان أي سيطرة عليه وعلى مساره.             من المفارقة الشديدة ان الانفصال عن التاريخ الذي يدفع قانون النكبة به الى الأمام، ونقل الصراع الى مجال يوجه فيه الشعور والقدَر مسارات تاريخية لا عمل البشر هو ايضا تخلٍ عن الفكرة التي حركت الحركة الصهيونية منذ البدء. تلك الفكرة التي أفضت آخر الامر الى انشاء دولة اسرائيل.