القاهرة / سما / أعادت الحشود الشعبية التجمع في شوارع العاصمة المصرية القاهرة، ومدينة الاسكندرية، السبت، وسط إعلان مرتقب من الرئيس المصري، حسني مبارك، تشكيل حكومة جديدة وسط توتر شعبي عارم يدعو لتنحيه في أخطر ثورة شعبية يواجهها منذ توليه السلطة عام 1981. وحاول المتظاهرون اختراق الطوق الأمني الذي فرضه رجال الأمن على مبنى وزارة الداخلية في القاهرة، وتصدى للحشود بمدافع المياه والغاز المسيل للدموع، وسمع دوي طلقات نارية في الهواء. وفي ميدان التحرير المجاور للداخلية اصطفت ما بين ستة إلى تسعة من ناقلات الجنود المدرعة بجانب 10 دبابات، وتجمع مئات المتظاهرين الذين بادروا بتحية الجنود، وسمع إطلاق شعارات تنادي "بسقوط الحكومة" كما أعرب العديد عن خيبة أملهم من خطاب مبارك لعدم استجابته الكاملة لمطالب الشعب. وتواصل سحب الدخان التعالي من مقر "الحزب الوطني" الحاكم" الذي أضرم فيه محتجون النار خلال احتجاجات "يوم الغضب" الجمعة. وفي الإسكندرية، احتشد عدد كبير من المتظاهرين قرب مسجد "إبراهيم" نقطة انطلاق مسيرة الجمعة، وردد المحتجون شعارات تنادي مبارك بالتنحي وتطالب بـ"الحرية.. نريد الحرية." ولأول مرة، أنزل مبارك، الجمعة، الجيش إلى الشوارع لقمع مظاهرات غاضبة ضد نظامه السلطوي، في خطوة عزاها خبراء في شؤون المنطقة على أنها مؤشر قاطع على يأس الحكومة المصرية. وكذلك للمرة الأولى، لم تتمالك وسائل الإعلام الرسمية التي تديرها الحكومة تجاهل الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية أو وصفها، بالدمغة المعتادة، على أنها ضرب من الإرهاب، وهو تطور آخر يراه المختصون كمؤشر على أن النظام المصري مقبل على متاعب. وبالنظر إلى المؤسسة العسكرية، وهي دعامة السلطة المصرية منذ انقلاب عام 1952 الذي أطاح بالنظام الملكي، فالجيش يحمل مفاتيح هذا المنعطف الحرج، ويخشى كثيرون من لجوئه إلى قوة النار والسلاح لإسكات الأصوات المحتجة في كل من القاهرة والإسكندرية، التي أخذت تسري في بعض المدن المصرية الأخرى. إلا أن إدوارد ووكر، السفير الأميركي السابق لدى مصر، يرى أن حملة قمع عسكرية ضد الاحتجاجات لا تعني سوى "دق ناقوس الموت ليس على المؤسسة العسكرية فحسب على النظام." وأضاف بقوله: "حملة كهذه لم تحدث في تونس المجاورة، حيث فر الحاكم الاستبدادي من البلاد، وهذا بالكاد ما حدث في مصر الجمعة." فعلى النقيض، تحظى المؤسسة العسكرية المصرية، ويبلغ قوامها 450 ألف جندي، باحترام من قبل الشعب، حيث لفت شهود عيان من قلب الاحتجاجات، أن حشود المحتجين هتفت بالترحيب في استقبال قوافل الجيش، وشوهد البعض وهم يحتضنون أفراد الجيش وينظر إليهم كمنقذ من وحشية الشرطة المفرطة. وقال محمد شرم النواوي، من جامعة كوينز في ولاية كارولينا الشمالية، إن اللجوء للجيش يعكس يأس مبارك، وتظل المسألة الأهم للجميع إلى متى ستظل القوات المسلحة وفية للزعيم الكهل الذي حكم مصر بقبضة من حديد على مدى ثلاثة عقود. ويذكر أن قناة "النيل" الرسمية عرضت لقطات لمظاهرات الجمعة الاحتجاجية وأشارت إلى استخدام قوات الأمن الغاز المسيل للدموع ضد الحشود، كما أتاحت لقيادات المعارضة انتقاد الحكومة لإغلاقها خطوط الاتصالات وذلك في بث مباشر على الهواء. وأبدى شون باورز بروفسور علوم الإعلام الدولي بجامعة ولاية جورجيا استغرابه من الأمر وأنه ليس من المعتاد تغطية وسائل إعلام تعد أذرع للحكومة هذه الأحداث مضيفاً: ""أنا مندهش". وحول إغلاق الحكومة المصرية لوسائل الإتصالات قال النواوي يمكن لمبارك إغلاق الموقع الإجتماعي "فيسبوك" لكن ليس في مقدوره إغلاق "كتاب الشعب." وكان الرئيس المصري حسني مبارك قد قال الليلة انه طلب من الحكومة التقدم باستقالتها في كلمة للشعب عبر التلفزيون الرسمي بعد يوم من الاحتجاجات العنيفة غير المسبوقة خلال حكمه الممتد منذ 30 عاما. واضاف انه سيكلف حكومة جديدة بالتعامل مع اولويات المرحلة القادمة. واكد عزمه المضي قدما على طريق الاصلاح السياسي والاقتصادي. وقال ان الاحتجاجات "وما حدث من نهب وفوضى" في مصر منذ الثلاثاء الماضي هي جزء من مخطط لهز استقرار البلاد. وعبر الرئيس المصري عن أسفه لسقوط ضحايا جراء التظاهرات التي جرت في مناطق متفرقة من الجمهورية مطالبا المتظاهرين بالكف عن العبث بمقدرات الشعب المصري. وفي ذات السياق رددت حشود المحتجين في القاهرة يوم الجمعة النشيد الوطني المصري وهتفوا "تحيا مصر" متجاهلين حظر التجول الليلي واحتضنوا الشرطة التي كانوا يقاتلونها في وقت سابق من اليوم. وبعد ان انتشرت أنباء حظر التجول من محتج الى اخر قبل دقائق من سريانه توقف بعض المحتجين عن رشق الشرطة بالحجارة وبدأوا في دعوة قوات الامن الى مشاركتهم في الاحتجاجات خلال الليل. وتعانق المتظاهرون مع الشرطة وقال كثيرون من رجال الامن انهم سينضمون للمتظاهرين. ورفع أحد ضباط الشرطة اصبعيه في علامة النصر. بينما تبادل بعض المتظاهرين ورجال الشرطة عبارات التشجيع والاعتذار. وصرخ أحد المحتجين نحو ضابط أمن طالبا منه الانضمام الى المتظاهرين وقال له ان المتظاهرين في حاجة الى انضمامه. وأومأ الضابط برأسه قائلا "طبعا." وامر الرئيس المصري حسني مبارك الجيش بدعم الشرطة التي تتصدى بصعوبة لحشود المحتجين بعد يوم من الاحتجاجات لم يسبق ان شهدته مصر طوال عهد مبارك المستمر منذ 30 عاما. ورحب الالاف في وسط القاهرة بأنباء تدخل الجيش الذي يعتبر محايدا بخلاف الشرطة التي يتم نشرها عادة لقمع المعارضة. وخرج عشرات المواطنين في الشرفات يبلغون المحتجين بأنباء تدخل الجيش. وصفق المحتجون وصفروا للنبأ. وأنشد المحتجون النشيد الوطني المصري وهتفوا "تحيا مصر" بينما سارت مركبات الجيش في الشوارع. وسمح لضباط الشرطة بالدخول الى أحد المحال التجارية القليلة التي ظلت مفتوحة خلال حظر التجول ليرتاحوا ويجروا اتصالات بعائلاتهم. وتجمع الضباط حول شاشة تلفزيون وهم يتنقلون بين القنوات ويهزون رؤوسهم في دهشة.