واشنطن / قال الكاتب الأميركي جيمس كارول في مقال نشرته صحيفة "بوسطن غلوب" اليوم إن "مفاوضات السلام الفلسطينية-الاسرائيلية التي استؤنفت في واشنطن الاسبوع الماضي برعاية (الرئيس الاميركي باراك) اوباما على الرغم من ان الواقعية الباردة تكشف عن عقبات كثيرة في طريق السلام. ويجب انهاء الشكوك الاسرائيلية المتصلة خصوصاً بتوجه "حماس" الرفضي، والمظالم الفلسطينية المرتبطة بالاحتلال والمستوطنات. ومع ذلك، فكما ورد في هذه الاعمدة من الصحيفة، للصراع جذور في ماض يثقل على الجانبين، ويشتمل على قضايا تاريخية وأخرى تتعلق بالهوية ما تزال موضع نزاع. فهل يستسلم الماضي للمستقبل؟ لن يتم ذلك إلا تمت المواجهة بينهما. الماضي المتعمق عبر قرون عديدة كان موضوعنا حتى الآن، ولكن ربما كان البند الأكثر صعوبة على جدول أعمال المتفاوضين يتعلق بالمفاهيم المتناقضة لما حدث في الذاكرة الحية. هذه المفاهيم بالطبع، هي المحرقة النازية، والنكبة، الكلمة التي يستخدمها الفلسطينيون لتشريدهم وتجريدهم من ممتلكاتهم بعنف خلال حرب 1948. هذان الحدثان الأساسيان ما زالا مغمورين تحت سطح كل المفاوضات. ليس هناك معادلة –أخلاقية أو مادية- بين المأساتين. المحرقة تبقى أمرا فريدا، انقطاعا في تدفق التاريخ العالمي. لكن هذا لا يعني أن النكبة ليست أمرا رهيبا بالنسبة الى الفلسطينيين. وحين أجبر ما بين 600 و750 ألفا من العرب على ترك ديارهم أو اضطروا للهرب بسبب الإسرائيليين، وحين لم يسمح لهم بالعودة، اعتبر الفلسطينيون الاقتلاع والإفقار نوعا من الفناء. ان كون كلمتي المحرقة والنكبة يمكن ترجمة كل منهما إلى "كارثة" هو امر يعبر عن الخسارة والحزن. الرفض الفلسطيني للاعتراف بشرعية الدولة اليهودية يقابله الرفض الإسرائيلي بالاعتراف بدور إسرائيل كسبب أساسي في معاناة الفلسطينيين، سواء أكان ذلك من خلال التطهير العرقي مع سبق الإصرار والتخطيط أو عمليات الطرد بسبب الحروب من دون عودة المطرودين. وحتى يأتي الوقت الذي تحل فيه هذه المظالم المشتركة، لن يكون هناك سلام بين هذين الشعبين. من الشائع القول منذ 1948 ان اسرائيل نجحت في الانبثاق إلى الوجود بسبب ضمير أوروبا المثقل بإحساسها بالذنب، كما لو كانت خسارة ستة ملايين مكسبا لإسرائيل. لكن هذا كمقياس لتأثير التطهير العرقي الذي قام به هتلر على إسرائيل تشويه شرير. اذ ان المحرقة هي أكثر حدث عام تتم الإشارة إليه في الزمن المعاصر وهي نقطة مرجعية عالمية- حتى بالنسبة الى من ينكرونها. لكن كونها مألوفة يجعل من المستحيل الدخول في حقائق ما جرى بأكثر مما يزيد عن الشعور الموروث أو التفهم المصطنع. من وجهة نظر إسرائيل، ما كانت المحرقة؟ في البداية، كانت مجموعة متعاقبة من موجات الواصلين اليائسين- المشردين نتيجة افعال هتلر. ها هو التسلسل الزمني للهجرة اليهودية إلى "إسرائيل": عام 1931، 4000. في 1935، 60 الفا. بحلول 1939، وفقا للمؤرخ الإسرائيلي توم سيغيف، كان هناك 500 ألف يهودي في فلسطين، "ثلثا من جاؤوا في ذلك العقد". كانت تلك البداية فقط. في ذلك العام، وصل 100 ألف من الناجين من معسكرات الموت إلى إسرائيل. ومع عام 1950، كان هناك 350 ألف ناج من المعسكرات فيها، "واحد من كل ثلاثة إسرائيليين"، كما يقول سيغيف. ماذا يعني ذلك؟ كل شخص ثالث هو "ملتقط من النار في أوروبا"، كما في جملة ابراهام هيسكيل. وبما أن معظم اليهود قد وصلوا إلى إسرائيل في السنوات التي سبقت الحرب مباشرة، فإن معظمهم خسروا افرادا من عائلاتهم في المحارق. بالنسبة الى يهود إسرائيل، كلمة المحرقة لا تعني الامر نفسه كما في اللغة الشائعة اليوم- حدث في التاريخ، يتم تذكره عن بعد. لا، كانت صدمة شخصية حددت جوانب الوجود. وفي عام 1948، حين وجد آلاف اليهود ملاذا في منازل الفلسطينيين الغائبين المخلاة فجأة، تضاعفت المأساة، لكن لم ير اليهود في ذلك إلا فرصة غير متوقعة للعيش. قد يقضي الإسرائيليون عقودا من الزمن يحسبون ذلك التاريخ، لكن بحلول العام 1948 كان أول معانيه واضحا. وبسبب الجرائم التي ارتكبت ضد الفلسطينيين في الحرب، اعتبر أن "الدولة اليهودية" ولدت في الخطيئة، أو ربما في المأساة- لكن بشكل أساسي ولدت في إصرار وحشي على عدم التعرض للمحق. تلك الروح الجماعية الضارية كانت الروح التي استندت اليها إسرائيل في كل حرب من الحروب الكثيرة التي خاضتها. يقول الروائي الإسرائيلي ديفيد غروسمان: "لقد فقدنا الأمل في إمكانية أن نحيا، نحن اليهود، حياة كاملة آمنة كبقية الامم. وربما فوق كل شيء، شعرنا بفقدان الإيمان الطبيعي الطفولي، في الإنسان وكرمه وتعاطفه". ويجادل البعض بأن الاسرائيليين يضخمون جرحهم الملحمي. لقد "انتهت المحرقة" كما يقول ابراهام بورغ في عنوان كتابه، مضيفاً ان "علينا أن نصعد من الرماد". وهذه حقيقة تاتي في الوقت المناسب. لكن حتى هذا الاصرار يبرهن النقطة. ذلك ان الرماد يبقى أساس إسرائيل. ويجادل اخرون، بالمثل، بأن قوة إسرائيل العسكرية تعني ان ليس بوسع الدولة اليهودية ان تدعي بصدق انها عرضة للمخاطر، الا ان الألم الوجودي قد يعرف الوعي الوطني بقدر ما يمكن ان تعرفه قوة ترسانة السلاح. وسيكون الوجود الاسرائيلي قضية دائما. وماذا عن التجربة الفلسطينية؟ في تلك السنوات الحاسمة من الهروب اليهودي المبكر من هتلر، كان زعيم الفلسطينيين "مفتيا"، أي فقيها في القانون الاسلامي، يعينه البريطانيون. كان اسمه محمد أمين الحسيني، وهو سليل أسرة مقدسية ذات شأن. وبوقوعه بين الضغوط الامبريالية البريطانية وتنامي الهجرة اليهودية الاوروبيةـ وبسبب الحاجة لتكوين وعي فلسطيني (وليس عربيا)، تناول الحسيني ورقة من الكتاب المسيحي القديم المعادي لليهودية. وقد روج للهوية الفلسطينية الايجابية بتصنيف اليهودية على انها سلبية. ولا تزال هذه التركيبة الفكرية الثنائية مستمرة. وتسبب القمع البريطاني الهمجي للمقاومة الفلسطينية في الثلاثينات من القرن الماضي (كما وُضح في مقال سابق) في تحويل الحسيني إلى عدو لدود لإنجلترا. وقد رفض التسوية التي قدمت ضمن الورقة البريطانية البيضاء عام 1939. وهو فعل وصفه المفكر الفلسطيني رشيد خالدي بـ"آخر قرار فلسطيني اتخذه الفلسطينيون انفسهم لعقود عدة". هرب الحسيني من فلسطين. وقد أمر ونستون تشرشل باغتياله، إلا أنه وصل إلى برلين. وباعتبار أن عدو عدوي هو صديقي، لجأ الحسيني إلى هتلر ولعب دور بهلوان النازية طوال الحرب – ولعل ذلك وحده كان العنصر الأكبر في إزالة الشرعية عن المطالب الفلسطينية. وازدادت صلابة الشكوك الاسرائيلية حول المشاعر الفلسطينية، بما في ذلك الدعوة إلى ابادة اليهود، حين اصبحت جرائم هتلر معروفة. إلا أن الموقف الفلسطيني كان له منطق طبيعي، وحسب ما قال المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس فإن أحدا لم يُعرف ذلك بشكل أوضح من رئيس الوزراء المؤسس لإسرائيل، ديفيد بن غوريون، حين سأل "لماذا يصنع العرب السلام؟" وأضاف: "لو كنت قائدا عربيا، لما اتفقت أبدا مع إسرائيل. هذا طبيعي. لقد أخذنا بلدهم. أكيد، لقد وعدنا بها الرب، لكن ماذا يعني ذلك لهم؟ ان الهنا ليس إلههم. نحن نأتي من إسرائيل، صحيح، ولكن من ألفي عام، فماذا يعني ذلك لهم؟ لقد كان هناك عداء للسامية، النازية، هتلر، آوشفيتز، لكن هل كان ذلك خطأهم؟ هم يرون أمرا واحدا: لقد أتينا إلى هنا وأخذنا بلادهم، فلماذا عليهم أن يقبلوا بذلك؟". لو كان بن غوروين يكتب اليوم لربما أضاف: "انهم يرون كذلك نمو عدد الذين فقدوا ممتلكاتهم عامي 1948 و 1967 من مئات الألوف إلى 5 ملايين شخص، ولا يزال كثيرون منهم مشردين ويعيشون في مخيمات حتى اليوم. وهم يرون أيضا غزة تختنق تحت الحصار والحياة في الضفة الغربية تتهشم تحت الاحتلال. وسيرون نمطا اسرائيلياً من عدم الالتزام بالوعود التي قطعت خلال مفاوضات السلام، فلماذا يأتون إلى طاولة المفاوضات الآن؟". الواقع اليوم هو أن المفاوضين الاسرائيليين والفلسطينيين، ولكل منهم أسبابه لعدم المجئ، أتوا بالفعل إلى طاولة المفاوضات. وليس ذلك بسبب القلوب الطيبة، ولكن بسبب الإدراك القاسي بأن الوضع الحالي هو أيضا طامة مشتركة في طور التكوين. وبعد أن اضطهد الجانبان كل منهما الآخر، فإن الجلوس الى طاولة المفاوضات وحده الكفيل بان يضعا نهاية متبادلة للاضطهاد. ولأن كلا منهما كان حبيس الماضي على حدة، فلن يستطيعا الا معاً صنع مستقبل حر.