جورج ميتشل المسكين. رأى من أعالي الطبقة الرابعة عشرة في وزارة الدفاع في تل ابيب أبخرة الرطوبة التي ترتفع من شوارع تل ابيب والزحام الأبدي في أيالون، وجنود الكرياه، صغارا خضرا، يصعدون الدرجات المتحركة في الطريق الى عزرائيلي، الارض الموعودة. اشتاق للحظة ايرلندا الشمالية، مكان بعثته السابقة. لم يكن الساسة هناك يختلفون كثيرا، فثمة نفس التطرف القبلي القديم، مغطى بنسيج دقيق من بذلة أعمال، ونفس الخوف الذي يصيب بالشلل مما يقول أو يفعل المتطرفون، ونفس الأجوبة الغامضة، التي تقول نعم لكنها تقول لا في الحقيقية. لكن آب في ايرلندا جنة عدن، فهو بارد ودود، اما في تل ابيب فآب هو آب. كان ميتشل قد انهى لقاء اخر مخيبا للامال مع وزير الدفاع، كان تماما للقاء أشد تخيبا للأمل على حدة مع رئيس الحكومة. لم يسرع الخروج. فلم ينتظره أي تمهيد طريق في الخارج. أخلوا له لذلك غرفة في الجانب الشرقي من الطبقة، الجانب الذي يظهر على نحو عام في الصورة في الصحيفة، على أنه خلفية لتقرير عن فضيحة جديدة، أو خصومة ألوية الجيش، أو مواجهة بين رئيس الاركان ووزير الدفاع او حارس او حارس اغتصب. جلس باراك الى الهاتف. بحث عن صيغة مخلصة، تتابع تجميد ا لبناء في المناطق وتذوبه ايضا. ولم يجدها. في اليوم السابق شهد أمام لجنة تيركل. كان على ثقة بأنه أعد خطبة رائعة، غنية في المعطيات، مصوغة بحرص، مسؤولة متزنة. فاجأه الرد المرتاب المعادي لكنه لم يمنعه ان يقضي المساء في أحد المطاعم البديعة في مركز تل ابيب هو وزوجته، وأحد اثرياء البلاد وزوجته. إن من شهده في المطعم رأى انسانا سعيدا بنصيبه. لكن اللقاء مع ميتشل ذكره بأن الاحتفال سينقضي بعد قليل. قال لشخص ما قبل بضعة أيام فقط، ساخرا بنفسه، إنه سيلي العمل في وزارة الدفاع الى الأبد. وهو الآن يرسم سيناريوات لا تعطيه في واقع الأمر اكثر من أربعة أشهر أو خمسة. يوجد لباراك في ظاهر الامر اسباب جيدة ليكون مضغوطا فثمة المواجهة مع رئيس الاركان وآثار ما يسمى وثيقة غلانت، وتحقيق مراقب الدولة في الملايين التي نقلت الى بناته، واستقبال كلامه القاسي في لجنة تيركل، وميتشل الان. لا ينشىء باراك مزاجه. اذا كان عنده مثل ذلك فهو يحبسه وراء ابتسامة خجول. كل شيء تحليلي عنده وكذلك مزاجه. يقول تحليله إنه يوجد الان احتمال بنسبة 50 في المائة لن ينقض كل شيء في كانون الثاني أو بعبارة أخرى هو يحزم متاعه. يستعد للحزم وقد يحزم. ليس هذا ما يريده لكنه يعلم أن هذا ما سيحدث علما تحليليا. رحلة جوية الى ميامي لنتحول من الخفيف الى الثقيل. الى الوثيقة. عندما نشرت القناة الثانية الورقة التي كانت ترمي في ظاهر الأمر الى تمهيد طريق اللواء يوآف غلانت لتولي رئاسة الاركان، أعلن نتنياهو بأنه تحدث الى وزير الدفاع، وبأنه توجه الى المستشار القانوني للحكومة عن رأي منهما، الذي وعد بالتحقيق وأمر باجماد اجراءات تعيين رئيس الاركان الجديد في هذه الاثناء. في واقع الامر، تحدث نتنياهو قبل الى المستشار القانوني فينشتاين، واتفق معه على ما اتفق، وتحدث الى باراك بعد ذلك فقط. كافح الاثنان باراك بحقيقة تامة. وكانت النتيجة نصرا كبيرا لاشكنازي. أراد باراك تعيين رئيس الاركان القادم قبل ستة أشهر وأن يمكنه بذلك من التأثير في انتخاب الألوية والعمداء الجدد وأن يصوغ خطة عمل الجيش للسنة المقبلة. لا يحدث هذا ما استمر التحقيق. باراك غاضب. لانه اذا كانت الوثيقة مزيفة فلن يخطر بالبال أن يكون زيفها لواء مثل غادي ايزنكوت او بيني غنتس او غادي شمني او آفي مزراحي. واذا كانت حقيقية فمن المحقق أن ليس غلانت هو الذي كتبها. فلماذا يوقف بسببها اجراء التعيين. وهو أشد غضبا بل انه يشعر بالاهانة حقا لان شخصا ما اعتقد أنه بواسطة عدة حيل دعائية أساسية يستطيع التأثير في قراره على من يكون رئيس الاركان القادم. أهو ضعيف مستخدم قابل للتأثير فيه الى هذه الدرجة؟ يعلم الجميع او يعتقدون انهم يعلمون انه قرر ان يختار غلانت، فما الداعي الى الاحتيال عليه ليختار غلانت؟ هذه حكاية مسافر اختطف طائرة زمن الطيران الى ميامي. سأله الطيار الى أين تريد السفر؟ الى ميامي قال المسافر. قال الطيار لكنني على حل حال مسافر الى ميامي. صحيح، قال المسافر، لكنني ركبت الطائرة الى ميامي مرتين ووصلت الى كوبا. لن تساعد المحكمة هذه المرة سأبلغ ميامي. استوعب باراك الرسالة. رأس كبير في المقام الثاني، الرحلة البحرية. عندما أعد باراك أجوبته عن الاسئلة التي أرسلتها لجنة تيركل مسبقا، حرص على ألا يشغل فيها كلمة انتقاد لرئيس الاركان. وعلى عمد اختار هدف أسهل من وجهة نظره هو اللواء (احتياط) غيورا آيلند. عين اشكنازي آيلند للتحقيق في الجانب التنفيذي. في صبيحة التعيين التقى باراك اشكنازي. قال انه من الحسن ان يعين رئيس الاركان محققا من الخارج، ضابطا سابقا. وامتنع من ذكر اسم ضابط يفضله. آيلند رأس كبير. وكان دائما هكذا. عندما خدم رئيسا لمجلس الامن القومي، تحت امرة شارون واولمرت، بدأ مبادرات سياسية بعيدة المدى عن رأيه الخاص وحدد لقاءات مع رؤساء دول بغير علم المسؤولين عنه. جففه شارون. واستبدل اولمرت به غيره. إن تقرير آيلند، وأكثر منه المقابلات التي بذلها بعد ذلك لصحيفة "يديعوت احرونوت" وغيرها، أنشأت في رأي باراك عرضا مزيفا للعلاقات بين المستوى السياسي والعسكري. وقال لاعضاء اللجنة "حدث بلبال". زعم أن آيلند بنى نظرية تقول إن حروب القرن الواحد والعشرين غيرت قواعد اللعب فلم يعد من الممكن بعد الفصل بين المستوى العسكري والمستوى السياسي. ويقول باراك ليس لهذه النظرية يدان ولا رجلان. وصف باراك في الكلام الذي قاله للجنة بالتفصيل الحوار المركب بين الحكومة ورئيس الاركان. وقال في النهاية: "المستوى السياسي مسؤول عن "ماذا"، أي ماذا يحتاج الى فعله، والمستوى العسكري عن "كيف"، أي عن الطريقة الصحيحة لاحراز المهمة كاملة". هذه الجملة صحيحة في ذاتها، لكنها غير صحيحة عندما يقولها ايهود باراك في الظروف التي قيلت فيها. تذكر القدماء بين قراء هذه الجملة موشيه ديان الذي عد مثل ايهود باراك سيد الأمن، وسيد الأمن هو تأليف بين محارب جريء ومحترف عسكري وزعيم. عندما شهد ديان أمام لجنة اغرينات بعد اخفاق يوم الغفران، زعم ان مسؤوليته عن الجيش "وزارية" فقط. ولم يقبل الجمهور ذلك. وما كان يستطيع ان يقبل. فقد اختار الجمهور ديان لأنه ظن ان مشاركته في الأمن تزيد على المشاركة الوزارية. إن باراك، مثل ديان في زمانه، معتاد أن يتدخل في أشد التفصيلات دقة من جهة "كيف". وهو فخور بأنه في الاعداد لوقف القافلة البحرية التركية، تابع تفصيلات التدريبات، وسأل ونبه وصحح ما اعتقد انه يستحق التصحيح. وكذلك نتنياهو. يجلس من آن لآخر الى ضباط في مساء عملية سرية، ويسأل عن أدق التفصيلات من جهة "كيف" ويقدم ملحوظاته. سواء شئنا أم أبينا، الخلط بين المستويات جزء من الواقع الاسرائيلي. عندما كان باراك رئيس أمان، ونائب رئيس الاركان ورئيس الاركان، أكثر المشاركة في جلسات الحكومة. ومن مكانه في الطرف اعتاد أن يتبادل القصاصات مع بعض الوزراء، كان يستهزأ فيها بوزراء آخرين. وقد أكثر من زيارة مكاتب الوزراء، في زيارات عمل وزيارات اجتماعية. وعندما ظن ان عنده ما يسهم فيه في النقاش حتى لو كان النقاش سياسيا في جوهره، لم يحجم عن الحديث. ونذكر على نحو خاص هجومه على اتفاق اوسلو. فقد قال للوزراء ان الاتفاق مليء بالثقوب كالجبن السويسري. وقال إنه قبل ان يفتح فمه نظر الى رابين، رئيس الحكومة ووزير الدفاع الذي أذن له بهزة من رأسه بأن يقول كلامه، برغم أنه علم أن ما سيقوم سيسبب له ضررا سياسيا. يريد الساسة تقاسم المجد. لكنهم لا يسارعون الى تقاسم الخلل. عندما كان باراك رئيس الاركان أكثر مهاجمته، حتى داخل الجيش، بسبب كثرة الحوادث في التدريبات. وكان الذروة في قضية سالم ب. عندما نشر النبأ الذي اتهمه، وعلى غير حق في رأيي، بترك الجرحى،كان يزور الصين. توقع باراك تأييدا من رابين ولم يحصل عليه. كان كل ما حصل عليه مهاتفة من مستشارة اعلام رابين، التي أشارت عليه بأن يتعجل العودة الى البلاد للدفاع عن نفسه لأن الاخرين لن يدافعوا عنه. إن باراك على ثقة بأن اشكنازي يحظى منه بتأييد لم يبذله أي وزير دفاع لرئيس اركانه. يعبر عن التأييد في الأساس بما لا يقوله باراك. فباراك من آن لآخر يطري اشكنازي وفي هذا الاسبوع على سبيل المثال، أفرط في اطراء شهادة اشكنازي أمام لجنة تيركل وقد قال باراك: برهنت الشهادة على الدقة والمسؤولية والاستقامة. ما الذي لا يحبه باراك عند اشكنازي؟ المساعدين. والحيل التي تجري حوله. عندما سئل باراك ما الذي يقصده بالكلمة الشديدة حيل صمت. فهو غير معني بأن يزيد وقودا على النار. نظرية آيلند الاخرى في زعم باراك هي أنه بسبب تغير صورة الحروب ينبغي تغيير نظام الأولويات في الجيش الاسرائيلي: فالأولوية الاولى ألا يقتل جنودنا؛ والأولوية الثانية ألا يقتل مدنيون في الطرف الثاني؛ والأولوية الثالثة أن تنفذ المهمة. يرى باراك ان هذه نظرية خطرة. فهي لا تلائم جيشا محاربا وشعبا محاربا. قال آيلند ان اسرائيل لو سهلت من قبل نقل السلع الى غزة لما كانت الرحلة البحرية. ويرد باراك هذا الزعم بكلتا يديه. فمن الحقائق ان اسرائيل بعد الرحلة التركية فتحت المعابر الى غزة لكن القوافل البحرية التالية لم تلغ. بل العكس تريد قوافل أخرى أن تخرج في طريقها. خط النهاية وأخيرا، التفاوض. يقدر باراك انه كلما اقترب موعد انهاء تجميد البناء وهو السادس والعشرون من ايلول، سيصعب على الفلسطينيين الموافقة على بدء محادثات مباشرة. يجب بلوغ هذا الموعد والمحادثات في ذروتها. التقى في المدة الاخيرة عددا من مسؤولي السلطة الفلسطينية الكبار في عرس درزي في الجليل. قال "لا أفهمكم، عندما استقر رأينا على تجميد تام – حتى رابين لم يبعد السير الى هذا الحد فقد أجمد البناء الحكومي فقط – سخرتم من هذا وقلتم ان كل ذلك خدعة. والان وهو يوشك أن ينتهي تجعلونه العالم بأكمله. اذا دخلتم مفاوضة الحكومة فانها تستطيع أن تزن شتى الخيارات مثل مقترح مريدور. فمريدور يقترح تجديد البناء في الكتل الاستيطانية فقط او داخل جدار الفصل. أو اطالة التجميد ثلاثة أشهر أخرى مع تقديم حل لمشكلات انسانية. لن نستطيع فعل هذا وأجل النهاية قريب. ستكون ضغوط من اليمين وتكون مظاهرات" يؤمل باراك محادثات مباشرة مع الفلسطينيين لانه يقدر أنه مع عدم وجود محادثات ستنشأ أزمة جديدة بين اسرائيل والادارة الامريكية ويتم تعجل مسيرة سب اسرائيل شرعيتها في العالم. ولن يستطيع حزب العمل البقائ في الحكومة. إنه لا يعلم ما الذي يريده نتنياهو حقا (مع فرض ان نتنياهو يعلم ما يريده نتنياهو). وهو لا يعلم مبلغ استعداده لأزمة داخلية داخل حزبه ومشكلة في الائتلاف. إن ما يحدث في هذه الاوضاع هو أن المعني في المسيرة يحاول اقناع رئيس الحكومة من جهة ويحاول من جهة اخرى انشاء واقع لا يترك لرئيس الحكومة خيارا. هكذا سلك موشيه ديان واهرون باراك وعيزرا وايزمن في محادثات كامب ديفيد الاولى بين مناحيم بيغن وانور السادات. فقد عاضدوا رئيس الولايات المتحدة جيمي كارتر وساقوا بيغن بحساسية وتصميم الى الاتفاق. لكن أبا مازن ليس السادات ونتنياهو ليس بيغن. توقع ان ينشىء نتنياهو فريق خبراء تمهيدا لتجديد المحادثات. ولم ينشأ فريق كهذا. وتوقع ان يعين الى جانب المحامي اسحاق مولخو الذي يدير الاتصالات من قبل نتنياهو، مبعوث آخر يعرف الفلسطينيين جيدا، ويكون ذلك تعيينا على حسب طراز أوري ساغي، الذي عين في زمانه للمحادثات مع سورية، ولم يحدث كل هذا. يقدر ان نتنياهو غاضب على حظه السيء، لأن أوباما في البيت الابيض لا بوش. ويعتقد باراك ان الفرق ليس كبيرا جدا. فالتصور الامريكي عن احتلال 1967 لم يتغير منذ كان الرئيس جونسون. وقد عرف بوش، مع مشايعته لشارون وأولمرت كلها كيف يخضع اسرائيل عندما شاء. يجب اعادة بناء العلاقات بأمريكا، ولن يتم هذا في ولاية رئيس آخر: فلأوباما سنتان أخرييان وأكثر، وثمة احتمال لا يستهان به بأن ينتخب أربع سنين أخرى. يقدر أن ترك العمل للحكومة لم يفض الى انتخابات. فثمة عدد كاف من اعضاء الكنيست لا يهبون الى صناديق الاقتراع لأنهم لن يعودوا من هناك الى الكنيست. ستسوف الحكومة سنة او سنة ونصفا، وبعد ذلك سينتخب رئيس حكومة يوجه التهمة الى نتنياهو. وسيصبح نتنياهو لا باراك ملحوظة هامشية في التاريخ. واذا اختار الطريق العكسي، فسيسعى الى تفاهمات مع امريكا وفيها تعويض من المخاطرة الأمنية التي سنخاطر بها بالتفاوض، من أجل التسوية مع الفلسطينيين، والى حلف اقليمي مع السعودية والدول الأخرى على ايران، والى بدء لمفاوضة سورية من جديد. يحتاج الى اثنين لرقص التانغو بطبيعة الأمر. ان ابا مازن هو صورة نتنياهو في المرآة. لانه يريحه غموضه وضعفه. عندما خولته الجامعة العربية بضغط من أمريكا ان يقرر كما يشاء. ذعر. فهو لا يهب الى تحمل المسؤولية. الوحيد بين وزراء الليكود الذي يعمل علنا على تقديم التفاوض هو دان مريدور. لكن شيئا ما يحدث لوزراء آخرين ايضا. فوزراء مثل كحلون، ولفنات، وساعر وكاتس يتحدثون في أحاديث خاصة بمفاهيم أكثر براغماتية مما تبين خطبهم في الكنيست. لن يحثوا نتنياهو على تنازلات لكنه اذا اختار طريق التفاوض فسيمضون في أثره.