تحت قيادة ياسر عرفات اتخذت السلطة الفلسطينية عادة سيئة السمعة – ان تقول شيئا للجمهور المسلم وشيئا آخر للجمهور الغربي. وحظي المسلمون بأقوال سامة بينما الغرب سمعوا اقوالا طابت لاذانهم. ويطرح السؤال: ماذا بالنسبة لخليفة عرفات لطيف المعشر، محمود عباس؟ هل حطم هذا النمط المزدوج للاب المؤسس؟ لهذا السؤال توجد اهمية، ولا سيما على خلفية لقاء نتنياهو مع اوباما والجهود لبناء ثقة وبنية تحتية لاتفاق بين السلطة واسرائيل. في مقابلة منحها مؤخرا ابو مازن لصحفيين اسرائيليين وفي لقائه مع زعماء يهود امريكيين اقترح ظاهرا عدة حلول وسط – في القدس وفي الضفة على حد سواء – كي يدفع المفاوضات الى الامام، وان كان في صحيفة "الحياة" اليومية سارعت السلطة الى نفي ذلك. وعرض ابو مازن نفسه كانسان ذي تطلع صادق للوصول الى السلام بل وأعرب عن استعداده لمرابطة قوة دولية في المناطق التي تخليها اسرائيل. بل صرح بانه معني بشريك اسرائيلي لطريق السلام وحذر الاسرائيليين: "لا تدعوني افقد الامل". للزعماء اليهود قال ابو مازن بالضبط ما يريدون ان يسمعوه: فهو يندد بالعنف، يعترف بالصلة التاريخية بين اليهودي وبلاد اسرائيل، يفهم قلق الامن الاسرائيلي ويعد بمعالجة التحريض في وسائل الاعلام الاسرائيلية وجهاز التعليم. وفي موضوع الكارثة الحساس أيضا، وهو موضوع كتب عنه ابو مازن رسالة الدكتوراة التي اتهم فيها الصهاينة بتضخيم عدد القتلى اليهود لاغراض سياسية، هذه المرة أكد ابو مازن بان اليهود عانوا ورد نكران الكارثة. ادعى عباس بانه تحدث مع زعماء يهود "بذات اللغة" التي يستخدمها كي يتحدث مع الشارع الفلسطيني. هل حقا؟ بالكاد. في تقارير وسائل الاعلام الفلسطينية لم تُسمع تصريحات مشابهة بل العكس. وهكذا مثلا، في التلفزيون الفلسطيني الذي يسيطر عليه مكتب ابو مازن مباشرة يقدمون برنامجا اسبوعيا تحت عنوان "النجوم" يضم اكاديميين من الجامعات الفلسطينية ليردوا على الاسئلة في اطار مسابقة. اذا تناولنا مثلا أسئلة في مجال الجغرافيا سنتبين بانه حسب التلفزيون الفلسطيني، فان خط شاطىء دولة فلسطين يتضمن اسرائيل – 235كم. وبالمناسبة، ما هو حجم فلسطين؟ 27كيلو متر مربع، بمعنى ان فلسطين تضم الضفة الغربية، قطاع غزة و... دولة اسرائيل. مثال موازٍ لازدواجية زعماء السلطة يوجد لدى سلام فياض، رئيس الوزراء. فقد صرح الاخير قبل سنة، في اثناء زيارة الى كولورادو، الولايات المتحدة، بان اليهود الذين يرغبون في ذلك مدعوون بان يعيشوا في المستقبل في الدولة الفلسطينية حيثما يرغبون، وانهم "سيتمتعون بمساواة كاملة في الحقوق وبالتأكيد ليس أقل من الحقوق التي يتمتع بها عرب اسرائيل في دولة اسرائيل". كلمات جميلة بالتأكيد، قالها، بالطبع، بالانجليزية. غير أن الارشيف يبين أنه قبل بضعة ايام من ذلك قال صائب عريقات، رئيس دائرة المفاوضات في السلطة الفلسطينية العكس تماما. ربما لان الاقوال، بالعربية، كانت موجهة للجمهور الداخلي: "لا يحتاج أحد الى الموافقة على أن يبقى المستوطنون في الدولة الفلسطينية التي ستقوم. هناك من يقترح بان نعطيهم جنسية... ولكننا نرفض هذه الفكرة رفضا باتا". وكما أسلفنا، فان ابو مازن وفياض قالا اقوالهما بالانجليزية للجمهور الامريكي والاسرائيلي، اما عريقات فتحدث بالعربية للجمهور الفلسطيني. بالطبع، لا يحتمل أن يكون التصريحان المتناقضان صحيحين. احدى النوايا المعلنة يجب أن تكون كاذبة. وأنا اتساءل من الكاذب؟ الفلسطينيون يواصلون لعب اللعبة المزدوجة والتبسيطية هذه لانها تنجح. اسرائيليون، امريكيون وآخرون يسعدهم احيانا ان يسمعوا نغمة عربية تروق لاذانهم بالانجليزية. السلطة، من جهتها يسعدها ان تقول شيئا للعالم ولاسرائيل – وشيئا آخر لابناء شعبها. الى أن يكتشف العالم هذا النهج، فان الفلسطينيين لن يتعلموا بانه على السلوك السيء يكون رد الفعل اسوأ بكثير.