برلين. يصعب على كثير من الاسرائيليين ان يفهموا من اين تنبع قوة الغضب الاوروبي نحوهم، في كل مرة تضطر فيها اسرائيل الى ان تتوجه الى استخدام القوة العسكرية كي تدافع عن نفسها وعن مواطنيها. الحالة التالية يمكنها، ربما، ان توضح الفجوة الهائلة القائمة اليوم بين اسرائيل واوروبا في هذه المسألة. في أيلول 2002 اختطف شاب الماني، ماغنوس جفجن، الابن الصغير لعائلة مصرفيين شهيرة في المانيا، عائلة بون – ملتسار. وتم الاختطاف في تخطيط كامل. جفجن تعرض على ابن العائلة، صادقه، وعندما كان واثقا بأنه كسب ثقته – اختطف جفجن يغوف ابن الـ 11 وقتله خنقا، وبعد وقت قصير من ذلك بعث الى العائلة القلقة مطالبا بفدية بمليون يورو. وتتبعت الشرطة أثار الخاطف في أثناء نقل الفدية، واعتقلته. لدى التحقيق معه حافظ جفجن على الصمت ورفض تقديم أي معلومات عن مكان وجود الطفل. وكان لهذا سبب واضح: فقد كان يعرف الخاطف بأنه قتله. ضابط الشرطة الذي أدار التحقيق قرر تهديد جفجن بأن يمارس عليه تعذيبا جسديا اذا لم يتعاون. وفي ضوء التهديد كسرت شوكة جفجن، قاد الشرطة الى المكان الذي دفن فيه جثة الطفل وسمح للشرطة بالعثور على ادلة اخرى ضمنت ادانته وارساله الى السجن المؤبد. منذ بداية محاكمته ادعى القاتل ومحاموه بأن محققي الشرطة خرقوا القانون الذي يحظر التعذيب وانتزعوا من جفجن اعترافا ومعلومات بوسائل غير قانونية. وبعد ادانته استأنف جفجن على الحكم أمام هيئات قضائية عليا في المانيا. كلها شجبت خروج الشرطة عن القواعد ولكن في نفس الوقت أكدت العقاب الذي فرض على جفجن وحددت بأنه حظي بمحاكمة عادلة. جفجن لم يكف عن الشعور بأنه ضحية المنظومات الرسمية. ونقل هجومه الى المنظومة القضائية الاوروبية، ورفع دعوى ضد السلطات القضائية الالمانية أمام المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان، التي تتخذ من ستراسبوغ مقرا لها. هذا الاسبوع نشرت هذه المحكمة قرارها في هذا الشأن، والذي تضمن توبيخا خطيرا جدا للسلطات في المانيا واتهاما لها بأنها خرقت في هذه الحالة حقوق الانسان. "بحد ذاته، التهديد للمشتبه به (بالتعذيب) يكفي كي يعتبر معاملة غير انسانية حسب المادة 3 من الميثاق الاوروبي لحقوق الانسان"، قرر القضاة، وان كانوا رفضوا طلب جفجن اعادة المحاكمة. في المكان الذي تصبح فيه حقوق الانسان قيمة عليا لا شك فيها، لا يعود ممكنا ضرب تمييز واضح بين المعتدي والضحية، بين المجرم والبريء. اوروبا تكبل نفسها طواعية بقيود اخلاقية، ستعمل آجلا أم عاجلا في طالحها. وهي جد معنية بأن تفرض هذه القيود على اسرائيل ايضا. من يقدس حقوق القاتل، لا يعود قادرا على أن يفهم معنى الدفاع عن النفس. هذا النهج المريض يبحث دوما عن مبررات وشروحات للجرائم. وهو لا ينحصر فقط باليسار الاوروبي الذي لا يزال لم يكف عن الاعجاب بالدكتاتوريين كفدل كاسترو او هوغو تشافيز. وهو يصبح رويدا رويدا مقبولا في التيار المركزي للمجتمع الاوروبي. الى ان يصحو الاوروبيون من هذا الجنون، فان من حق اسرائيل ألا تتعامل مع ردود الفعل الاوروبية بجدية أكثر مما ينبغي.