قريبا ستبدأ محادثات تقارب بيننا وبين الفلسطينيين. بيننا وبين جيراننا الفلسطينيين لا تفصل فقط حواجز وحراسات وجدران وأسيجة ووحدات خاصة وغير خاصة، بل هوات من الشك، التي هي كما ينبغي الاعتراف، حفرها الطرفان على مدى السنين بعناية. بقوى مشتركة وصلنا إذن الى طريق مسدود. كيف الخروج من الطريق المسدود؟ ينبغي التغيير الى غيار السير الى الخلف، الرجوع عن الحائط الذي وصلنا اليه ومحاولة ايجاد طريق آخر. ما هو احتمال هذا لان يحصل؟ ليس كبيرا. من أين لي؟ وبالفعل، فالنبوءة تلغى مع خراب البيت، ولكن لنا نحن، عديمي قوة النبوءة، مسموح فحص العوارض والتخمين الى أين يستشري المرض. في صحف أمس ظهر عارض مبكر واحد كهذا. اسرائيل والسلطة وافقتا على أن تعنى محادثات التقارب في كل المسائل الجوهرية للاتفاق الدائم: الحدود، القدس، اللاجئين، الترتيبات الامنية، المياه والمستوطنات. ولا يوجد أي من هذه المواضيع مريحا للجانب الاسرائيلي، لانه في كل واحد منها تجد نفسها مطالبة بان تتنازل على الاقل عن جزء من المزايا (او المزايا المزعومة) التي لها. كنا نفضل أن نبقي الوضع على حاله وان نحصل لقاء ذلك على السلام. ولكن هذا على ما يبدو لن ينجح. الحدود الجديدة لن تكون حدود النصر في 1967؛ القدس لن تبقى تحت السيادة الاسرائيلية الكاملة؛ كل حل لمشكلة اللاجئين سيستوجب قرارات غير شعبية؛ المستوطنات هي عقبة كأداء مركزية للحل في نظل كل من ليس مستوطنا؛ اسرائيل ستضطر الى الموافقة على تقسيم أكثر منطقية للمياه في المنطقة وان تتخلى على الاقل عن جزء من سيطرتها الامنية على الارض. كل هذا محرج وغير لطيف بالنسبة لرئيس وزرائنا ووزير خارجيتنا. لماذا نحن ملزمون بالحديث عن امور غير لطيفة بهذا القدر؟ ولكن يوجد رأي. رئيس الوزراء يطلب البحث أولا في المياه والترتيبات الامنية. سطحيا يبدو القرار معقولا. ظاهرا، على الاقل، يدور الحديث عن موضوعين فنيين لن يثيرا الخواطر فور طرحهما. اما عمليا، فان الامر يشبه القرار بنقل البحث في موضوع شائك لعناية لجنة من 55 عضوا، تنقله الى اقرار نهائي في لجنة من 45 عضوا. لا تنتظروا وأنتم حابسين لانفاسكم. خذوا مثلا موضوع المياه. لا اقصد توزيع مقدرات المياه بيننا وبين الفلسطينيين، بل مشكلة المياه في اسرائيل. لمشكلة المياه لدينا يوجد حل بسيط وواضح (التحلية)، ولكن عشرات لجان التحقيق مصدومة وتقارير هستيرية لم تقنعنا بحل المشكلة بشكل عقلاني. وهي لم تقنعنا، بان حل مشكلة المياه سيوفر علينا الخوف الدائم من الجفاف، الهدم المتواصل للطبيعة، والاهم من ذلك، يخرج المياه مرة واحدة والى الابد من المعادلة الامنية. لو كانت لدينا مياه وفيرة، ما كنا لنحتاج الى المساومة كالديوك مع جيراننا على كل قطرة. رئيس الوزراء يعول على قدرتنا الثابتة على طحن المياه. المداولات على المياه ستستمر حتى الاخرة. ومثلها، بالطبع، ايضا المداولات في موضوع الأمن. فمن جهة سيظهر رجال قوات الامن الفلسطينيين، ببهاء بزاتهم وهزال وسائلهم، ومن الجهة الاخرى رجال قوات الامن الاسرائيليين، مجهزين بميزانيات لا حدود لها وبمنظومة رائعة لجمع المعلومات. وهم يعرفون قبل الفلسطينيين ماذا سيقولون، ومنذ الان جاهزة عندهم الحجة المضادة؛ وهم يعرفون كل طلعة وكل نزلة، ومستعدون لان يكافحوا عليها وكأن بقاء شعب اسرائيل منوط بها. وهم سيحظرون كل تنازل، لاسباب "مهنية" وليس ايديولوجيا لا سمح الله. ونحن سنبحث ونبحث، وان شاء الرب الى الابد لن نصل الى المواضيع المثيرة للاعصاب حقا. اما الفلسطينيون فسيثبتون مرة اخرى بانه لا ينبغي الثقة بمن نتحدث معهم، ونحن، بقيادة رئيس الوزراء سنتقدم بثقة نحو الهوة. ألدى أحد ما بعض الماء؟