خبر : الإسلاميون والحداثة.. تركيا نموذجا قابلا للتعميم .. مروان العياصرة

الأربعاء 21 أبريل 2010 12:44 ص / بتوقيت القدس +2GMT
الإسلاميون والحداثة.. تركيا نموذجا قابلا للتعميم .. مروان العياصرة



ثمة فرق بين ما تعنيه النمذجة بإطارها العلمي، وما نقصده معنويا في إطارها الديني، فنمذجة (الإسلامية التركية) باتت تشكل مطلبا أمميا بعد أن خضعت الصيغ الإسلامية أو الإسلاموية إلى صيرورات عدة، أخطرها النموذج القائم على الفكر الجهادي (الثوري)، والذي ربما تعود بداياته إلى الحرب الباردة، أو ما بعدها، إذ كان خروج الغرب الأمريكي وتوسعه معنويا وعمليا في أنحاء العالم لا سيما في العالم الإسلامي قوة دافعة لإنتاج فكر راديكالي، يكون كمقابل موضوعي للفكر الليبرالي، المهم لدينا أن الغرب كان مساهما فاعلا ووحيدا ربما في إنتاج هذا الفكر أو إعادة إنتاجه بحكم انه ليس اختراعا جديدا، بل هو صورة مستعادة عن الفكر الإسلامي إبان بداية الدعوة الإسلامية، من غير أن نفرق هنا بين إنتاج الفكر الإسلامي في مكة، وتدويل هذا الفكر في دولة المدينة، لأن لفكر مكة ودولة المدينة ذات السمة وذات المنطلقات، ولا يصح إعادة إنتاج هذا الفكر بشكل كلي وحصري وبكامل خصوصياته، في أي لحظة تاريخية لاحقة، ليس تحجيما لراديكالية الفكر الإسلامي، بل لأننا نتطلع لأممية هذا الفكر وصلاحيته لكل عصر وإطلاق زمانيته من حالة تجميد اللحظة التاريخية التي تعود إلى ما قبل أكثر من 1400 عام، وكثير من الباحثين أكدوا معنى أن النموذج الإسلامي في إطار العصر النبوي والخلفاء الراشدين، ليس مقياسا على كل العصور، وفي ذلك ما ذهب إليه الباحث والمثقف العضوي سعد الدين العثماني في كتابه (تصرفات الرسول بالإمامة.. الدلالات المنهجية والتشريعية)، والذي يقول فيه في شأن هذا المعنى (أن التصرفات النبوية بالإمامة هي تصرفاته صلى الله عليه وسلم بوصفه إماما للمسلمين ورئيسا للدولة، يدير شؤونها بما يحقق المصالح ويدرأ المفاسد، ويتخذ الإجراءات والقرارات الضرورية لتحقيق المقاصد الشرعية في المجتمع وهي ما يسميها بعض العلماء تصرفات بالسياسة الشرعية أو بالإمارة، وبالتالي والكلام أيضا للعثماني، هي مقام غير مقام النبوة والرسالة والفتيا والقضاء...، وبحسب التصنيف السابق هي تصرفات ’تشريعية خاصة بزمانها وظروفها، ولذلك يعبر عنها ابن القيم بأنها ’سياسة جزئية’ بحسب المصلحة، وأنها مصلحة للأمة في ذلك الوقت، وذلك المكان، وعلى تلك الحال).هذا المعنى ما يجب أن يؤخذ في أي استدعاء للنموذج الإسلامي الأول، أن مصلحة الأمة هي تبع لظروفها الموضوعية، واشتراطات مرحلتها وزمانيتها، وإذا كان مجال حديثنا عن النموذج التركي، فقد لاقى هذا النموذج من التعديل والتبديل ما لاقى، حتى صار إلى مآله المعاصر، وقد يدرك الباحث أن هذا النموذج مر بمخاضات عسيرة ابتداء من تأثره بالنموذج الراديكالي الخميني في إيران، حيث ظلت تركيا تحاول ابتكار رؤية مستعادة عن زمن خلافتها الذي انقضى مع أفول عام 1924، ولم تجد إلى ذلك سبيلا، حتى تسربت إليها بعض أفكار الثورة الخمينية من إيران، بعد أن لاقت تلك الثورة نجاحا على مستوى السيطرة الدينية والسياسية على السواء، ولا نجانب بعض الصواب في أن الثورة الخمينية كان لها الاثر الحاسم في قدرة الإسلام التركي على التحدي، بل وأنها تشكل مصدرا للتلقي المعنوي الذي أسهم في نجاح تجربة الإسلاميين الأتراك الذين أطاحوا التحول من الفكر العلماني إلى الفكر الإسلامي، مع ما إيران وتركيا من خلافات واختلافات في التصورات والمصالح وعلى مستوى الاستراتيجيا الفكرية والسياسية، إلا أن ما قصدناه معنى من تأثير الثورة الخمينية ليس سوى تأثير على مستوى تصعيد الداخل التركي، وان ثمة قدرة على تحقيق انتصار معنوي إزاء توجه تركيا العلماني، وبالرغم من انتصار التيار الإسلامي إلا أن ثمة حلقات للصراع بين التوجهين العلماني والإسلامي، بالرغم من امتلاك تركيا الآن لما يسهم في تحقيق نجاحات متصاعدة للنموذج الإسلامي، سواء من جهة الاقتصاد النشط أو السياسة المحورية والدور المتنامي، أو الخلفيات التاريخية للإسلامية التركية، ويعمل الإسلاميون الأتراك على توظيف كل هذه الخيارات لتحقيق أهداف أوسع مما هو حاصل، حتى لدى الغرب فكرة أن النموذج الإسلامي التركي هو الخيار البديل للراديكالية الإسلامية (الأصولية الثورية والجهادية)، وليس لأن هذا الأنموذج بهذه الصورة من القبول لدى الغرب، يمكن أن يعد ذلك بابا للجرح ومدخلا للنقد والهجوم على هذا الأنموذج الذي عمل على تحقيب الفكر الإسلامي، وتعزيز ديناميكية النص الديني دون تعصب أو جمود، بل هو سمة مميزة وخاصية فريدة من خصائص التصور والفكر الإسلامي المنفتح والقابل للتعايش السلمي على مستوى العقائد والإيديولوجيات والنظم، وهو دليل على أن الفكر الإسلامي المتوافق مع ذاته وتراثه، والمتوائم مع ظروفه الموضوعية، المتقاطع مع طبيعة وأصل التصور الإسلامي للعلاقة مع الآخر، وفقا لأحكام عصرية هذه العلاقة وراهنيتها ظروفها، بإمكانه أن يكون فكرا فاعلا ومسيطرا.من هنا بنت تركيا (الإسلامية) نموذجية فذة للتعاطي الإسلامي مع العالم، بقدر كبيرة على (التوفيق بين التقاليد الدينية والحداثة)، حسب (تييري زاركون) في كتابه حول تركيا بين الإسلام والحداثة، ومن هنا يمكن للمسلمين إعادة إنتاج أنفسهم فكرا ودورا حضاريا، وريادة، وليس هذا فحسب بل يمكن الذهاب لأبعد من ذلك حيث أن النموذج التركي أفاد - ابتداء - من تجربة الثورة الخمينية، ووظف ـ لاحقا - حداثة المجتمعات المعاصرة، ولم يخسر - على الاستمرارية - شيئا من تصوراتها الدينية، ولم تحط الفكر الإسلامي بالشبهة أو الشك ـ رغم بعض الذين يروى في الإسلام التركي انه مفرغ من الإسلام، إلا أن ذلك لا يعدو أن يكون صوتا ضعيفا منكفئا على ذاته ـ فإن هذا النموذج قادر أن يعطي قدرة الفكر الإسلامي على جمع تشظيات التصورات والإفهام المختلفة لأتباعه، إن توافرت القدرة على ضبط إيقاع الحراك الداخلي للإيديولوجيات والعقائد الإسلامية، والإرادة لتعظيم المشتركات بينها، وهذا ما نحتاجه على الحقيقة، أن نؤسس لتصور فكري إسلامي شمولي وكلي بتفرعات جزئية لا تتصارع. ’ كاتب أردني(marwan.jordan@hotmail.com)