تايلند : نموذج !عندما تمتزج الشواطىء البيضاء بأشجار نخيل, يعلوها غمام وضباب وتحيطها جبال وغابات, فلا تمتلك حينها الاّ أن تستسلم لهذه الفتنة التي لا تقاوم, انّك في تايلند عزيزي القارىء!.الصراع في تايلند بين الأفرقاء الداخليين أساسه, ليس التنافس والتدافع العدائي المحموم والمشاحنات, بين السلطات الحاكمة هناك من جهة, عبر رئيس الوزراء ساماك سوندارافي ومن معه من أنصار حزب سلطة الشعب, وبعض رموز البيروقراط الأمني والعسكري والمخابراتي عبر بعض من الجنرالات, مقابل المعارضة بزعامة ساكين سينواترا زعيم حزب التحالف الشعبي من أجل الديمقراطية, ومعه بعض مؤسسات المجتمع المدني, التي لها آفاق سياسية لدى البنى والأوساط الشعبوية التايلندية, وخاصةً من الطبقة الوسطى التي يتم الرهان عليها الآن لأحداث التغيرات المطلوبة.هذا هو ظاهر الصراع المطلوب تنميطه وتوصيفه عبر بروبوغندا اعلامية, للرأي العام الداخلي والأقليمي والدولي من الزاوية الأميركية والأسرائلية معاً, بينما حقيقة الصراع وعمقه وآفاقه في تايلند وعلى تايلند, يتجاوز طبيعته الداخلية – الصراعية ليشمل, الصراع على منطقة الهند الصينية, وتمتد مفاعيله وتنميطاته بتداعياتها على العلاقات في منطقة الشرق الأوسط, ومنطقة الشرق الأقصى, وجنوب شرق آسيا, ولجهة تفاعلاته على نوعية الصراع الصيني – الأميركي الجاري بصمت الآن. الحسابات السياسية الأستراتيجية لمصالح الدول, تماماً مثل حسابات المعادلات الرياضية والفيزيائية, بمعنى 1 + 1 = 2وكذلك الحال بالنسبة للمعادلات السياسية الأستراتيجية, وأحياناً 1 + 1 = 4 لدى البعض من الدول, كلّ حسب ظروفه ومنطقه وحساباته وارتباطاته ومحاوره الخارجية والداخلية, فتايلند لها قيمتها السياسية والأستراتيجية والأقتصادية المضافة, وفقاً للحسابات الدولية الأستراتيجية الأمنية الأقتصادية وخاصةً لجهة, حسابات الولايات المتحدة وحسابات الصين المعنية بفرض السيطرة والنفوذ, على مجمل علاقات منطقة شرق وجنوب شرق آسيا, مع الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا وشبه القارة الهندية. تتحدث المعلومات عن نفسها, فيما يتعلق بمفاعيل الأزمة التايلندية الداخلية الحالية, ان لجهة أدوار العامل الخارجي, المخابرات الأميركية وجهاز الموساد الأسرائيلي, وان لجهة أدوار العامل الداخلي, الحكومة - ومن تحالف معها من البيروقراط الأمني والعسكري والمخابراتي – والمعارضة ومؤسسات المجتمع المدني المتحالفة معها.وقليل من التفكير والتمحيص واعمال العقل, في معادلات الصراع الأممي, نصل الى التساؤلات المشروعة التالية: ما هو السبب الذي يجعل جهاز الموساد الأسرائيلي, متواجداً بقوّة في مناطق جنوب شرق آسيا؟ وما هي مصالحه وأهدافه, ودوره في تفاقم مفاعيل الأزمة الحالية في تايلند؟! .تقول المعلومات, أنّ للموساد محطة مخابراتية نوعية وكبيرة وفاعلة ومتعدّدة الأهداف موجودة في تايلند, حيث تتولى مهام خاصة عبر عناصرها البشرية المتعددة الجنسيات والعابرة للقارات, من تنظيم عمليات سريّة بأثر أممي واقليمي, شبكات خاصة لسرقة التكنولوجيا, تجنيد العملاء باستمرار مع التنويع, بناء شبكات الأتجار بالمخدرات, تهريب الأسلحة, غسيل الأموال, بناء شبكات الدعارة والأتجار بالنساء, بالمقابل هناك محطة كبيرة لوكالة المخابرات المركزية الأميركية في تايلند, مما يشي بشراكة حقيقية خلاّقة, شراكه موسادية – سي أي ايه, لتنفيذ العمليات السريّة القذرة في مناطق جنوب شرق آسيا.وتكمن أهمية وقيمة تايلند الأستراتيجية لجهة العامل الخارجي في مفاعيل أزمتها الحالية, ان لجهة وقوع تايلند في قلب منطقة الهند الصينية, واشرافها على شريط ساحلي طويل على منطقة خليج تايلند, الذي يمثّل الجزء الشمالي الغربي من بحر الصين الجنوبي, وان لجهة عدد سكّانها الذي يتجاوز بقليل عن خمسة وستين مليوناً, مساحتها تتجاوز 523133 كم, وناتجها المحلي الأجمالي يزيد عن 500 مليار $.تاريخيّاً تعتبر تايلند مهد التاريخ والحضارة القديمة في منطقة جنوب شرق آسيا, وقيل أهمية تايلند بالنسبة لمنطقة جنوب شرق آسيا, هي تماماً مثل أهمية سوريا التاريخية والحضارية لمنطقة الشرق الأوسط, بعبارة أخرى:اذا كانت سوريا هي تايلند الشرق الأوسط, فان تايلند هي سوريا جنوب شرق آسيا, فهي تلعب دوراً مهمّاً معزّزاً في تدعيم الأستراتيجية الأميركية والبريطانية في جنوب شرق آسيا, وهو ذات الدور الذي تقوم به الفلبين الآن, وتاريخ تايلند السياسي يضم نماذج كثيرة من التبعية السياسية والأقتصادية والعسكرية والأمنية لواشنطن ولندن.الولايات المتحدة الأميركية أذهلتها قوّة المعارضة التايلندية الحالية, لجهة قوّة تماسكها وحجمها وحجم التأييد والدعم الشعبي, وحسن تنظيمها وتميزها بالشعارات المنظمة, والأمساك بزمام المبادرة والمناورة السياسية والأمنية بشقيها الوقائي والتطهيري, وقوّة اصرارها على انهاء سيطرة أميركا على تايلند, مما جعل واشنطن تفكر ملياً في استمرارها بدعم الحكومة الحالية ورموزها الموالين لها, وتراجعها في دعم عمليات قمع المعارضة الشعبية ورموزها الثوريون الشعبويون, و قيل: انّ الثوريّون لا يموتون أبداً !.وذلك يشي بأنّ الولايات المتحدة الأميركية, حريصة أشد الحرص على أن لا يستشري العداء الشعبوي التايلندي ضدها, عبر خلق رأي عام تايلندي مناهض لأستمرار التفاهمات الأميركية – التايلندية المتعددة الأتجاهات.انّ عدم وصول الأزمة السياسية التايلندية الداخلية الى حالة من الأستقرار, يشي بتداعيات سلبية عميقة على استقرار النظام السياسي التايلندي, وعلى الأستقرار الأقليمي في منطقة جنوب شرق أسيا, فانهيار الحكومة الحالية وصعود أو تصعيد المعارضة, يذهب لجهة اخراج تايلند من ملفات الصراع الصيني – الأميركي الصامت حتّى الان, ومن ملفات الصراع الكوني في شبه القارة الهندية, مع احتمالية انهاء أيّة تفاهمات أميركية – تايلندية سابقة ولاحقة, مما يدفع بمسار تحجيم وتقزيم وحصر وحشر, لدور الأيادي الشبح الأميركية – الأسرائيلية في منطقة جنوب شرق آسيا, مما يؤدي الى الحاق ضرراً فادحاً بالدور العبري الصهيوني في هذه المنطقة.وتقول بعض المعلومات الأستخبارية, انّ ارتفاع سخونة الخطوط الأمنية والسياسية, بين واشنطن وتل أبيب في ارتفاع متفاقم ومستمر مما أدّى الى تعطيلها, واستدعى زيارة سريّة وعاجلة لرئيس جهاز الموساد الأسرائيلي, مائير دوغان الى واشنطن للقاء ليون بانيتا للتشاور والتناصح حول ما يجري في بانكوك.انّ لأستمرار أزمة بانكوك السياسية, أضرار فادحة محتملة على مخططات الأمن الأستراتيجية الأميركية الأممية, فتايلند هي الخط الرأسي الفاصل بين المحيط الهندي ومنطقة بحر الصين الجنوبي, حيث تسعى واشنطن لأقامة تحالف عسكري استراتيجي أمني, يتحكم بالأمن البحري الخاص بالمحيط الهندي, أطلق الخبراء الأستراتيجيون الدوليون عليه اسم : حلف الناتو رقم 2 أو حلف الناتو الآسيوي الجديد, ويندرج كل ذلك في سلّة الصراع الأميركي – الصيني الجاري بصمت, ولكن بتفاقم ينذر بعواقب وخيمة على معادلات الصراع الكوني, بسبب سعي آخر لواشنطن يتمثل في السيطرة وجعل منطقة بحر الصين الجنوبي, بحيرة عسكرية أميركية بامتياز, مما شكّل ذلك سبباً آخر متوالد لجهة جعل واشنطن, تكون أكثر تردّداً ازاء القيام بدعم الحكومة التايلندية الحالية وحلفائها, وتراجعها في دعم عمليات قمع المعارضة الشعبوية, معارضة أصحاب القمصان الحمر, كي تفتح الخطوط معهم في حالة صعودهم وعقد التفاهمات السياسية والأمنية والعسكرية, فهل تنجح؟. تساؤلات ذهبية تفرض نفسها, على المتابع والمراقب الدولي لما يجري في بانكوك على شاكلة:هل نحن بصدد أزمة اقتصادية عالمية جديدة, أو على الأقل شحن الأزمة الأقتصادية العالمية الحالية لكي تستمر وتتعمّق, بسبب ما يجري في تايلند في حالة انهيار اقتصادها؟.أعتقد أنّه في حالة أن طال عمر الأزمة السياسية الحالية, ولم تصل بحراكها الداخلي والأقليمي والدولي, وضغوطها المختلفة الى نقطة استقرار مركزية, فانّ انهيار اقتصاد هذه الدولة التي تتمتع بناتج محلي اجمالي يزيد عن 500 مليار $, خياراً حتميّاً لا مفر منه, من الممكن أن يؤدي الى أزمة اقتصادية عالمية أخرى أكثر عنفاً من الأولى بالمعنى الأقتصادي والمالي, أو على الأقل يعمّق الحالية ويطول أمدها, وتقول المعلومات أن تداعيات ذلك اقتصادياً سوف يشمل العالم بما فيه منطقة الشرق الأوسط و دول خليجية عربية منتجة للنفط والغاز.نعم: انّ الثورة هي مشروع حضاري متقدم, قابل للتطور والتطوير, لا يفكّر فيها الاّ العقلاء, ولا ينفذها الاّ الأشقياء, ولا يجني ثمارها الاّ الجبناء! ونعم آخر: انّ الثوريّون لا يموتون أبداً .www.roussanlegal.0pi.commohd_ahamd2003@yahoo.com *عضو المكتب السياسي للحركة الشعبية الأردنية*