خبر : سلاح فتاك اسمه: التخريب الاسري .. أ . د . علي الهيل

الثلاثاء 20 أبريل 2010 01:56 ص / بتوقيت القدس +2GMT
سلاح فتاك اسمه: التخريب الاسري .. أ . د . علي الهيل



  مفهوم ’إدارة الأسرة’ The Concept of Family Management يكاد لا يجد مكانا له بين المقررات الاجتماعية والأسرية في الجامعات العربية. وبالقدْر نفسه لا يلقى اهتماما يُذكر من قِبل الباحثين في مجال الأكاديميا الاجتماعية والنفسية وغيرها من مجالات العلوم الإنسانية.ربما بسبب أن كلمة ومفهوم ’إدارة الأسرة’ قد صادره الاهتمام العربي والمكثف والمبالغ فيه بمظاهر أشكال التلوث البيئي على اختلافها وتنوعها والتي تصيب البيئة المادية الخارجية (خارج إدارة الأسرة) المعُاشة The Living Environment. وهو لا شك أنه كثير وخطير ولا نقلل من فداحته أو خطورته في هذا المقال. فهذه الأرض لا تكاد تأخذ زينتها وتتخلص من شكل حتى يبرز لها شكل آخر من أشكال التلوث هو أشد وأنكى من سابقه بما كسبت أيدي الناس أحيانا.وما الإدارة السيئة للأسرة وما تفرزه من آثار كثيرة، متباينة ومتنوعة نتيجة للإدارة السيئة، إلا الأسوأُ بصورة مطلقة بين كل أشكال التلوث البيئي. ذلك بأن ’إدارة الأسرة’ هي البيئة الأم. كما أسهمت بالقدر نفسه بل أكثر منه، الصراعات السياسية المحتدمة والمتفاقمة عربيا والمصدَّرة، بمصادرة الاهتمام العربي والخليجي بقضايا ’إدارة الأسرة’ وما يرتبط به ويتصل إليه.إنَّ شعار ’العمل للجميع’ ـ على سبيل المثال - الذي أغرق أسواق العمل العربية والخليجية، والذي يغنِّي على أنغام الديمقراطية والحرية والفردية، والتحرر من القيود المنزلية، بدءاً بالمطبخ ومرورا بالأولاد وانتهاء برعاية المنزل وتوفير ’السَّكنية’، هذا المفهوم الرائع المتأصل في ميراثنا القرآني، والذي تبكي كاثي بيل (1998) المفكرة الأمريكية، على انه ذهب مع الريح’ ريح الدعوات إلى فك قيود العبودية الأسرية من مجتمعها الأمريكي، أخذ يؤثر سلبا على مجتمعاتنا العربية بدرجات متفاوتة. بينما كثيرون منا هنا في العالم العربي والخليج العربي خاصة ويحسبون أنهم يحسنون صنعا بتقليد ما هو موجود في الغرب، في حين أن كثيراً من الناس في الغرب يتمنوْن لو أنهم لم ينزلقوا في هذا المنحدر الذي تدعو كاثي بيل إلى الخطورة والفداحة من الاستمرار في الانزلاق فيه، وتدعو إلى هذه ’السكنية’ الحميمة التي تمثل جُماع المجتمع، أي مجتمع وتعتبر هي العمود الفقري لديمومة القيم الجمالية في المجتمع ومن غيرها يتَصحَّر المجتمع ويتخشب لتأخذ المادية العملية بكل مكيافيليتها وأنانيتها ومنظورها الآني الضيق، تنخر في عظام البشر. وقس على ذلك ما تشاء، مما يدعو إليه شعار ’العمل للجميع’.بيد أننا نشعر مقتنعين بأن الكلمة الإعلامية الهادفة والمسؤولة، قادرة على أن تبني شيئا جميلا وسط الخراب الكبير. ذلك بأن الكلمة الإعلامية الهادفة يمكن أن تكون أكثر فتكا من النفايات أو مخلفات التفجيرات النووية مثلا وهي صورة من صور التلوث. لأن هذه يمكن أن تدفن في صحراء نائية لا إنسان ولا حيوان ولا نبات فيها. في حين أن الكلمة الإعلامية تسعى على الأرض وتطير في الفضاء الرحب من خلال الموجات الهوائية وتعبر البحار والمحيطات وتقتحم الحدود من غير تأشيرة دخول. إذ أن من خلال عملية تكنوتقنية معقدة تتمثل في تزاوج وتمازج ثلاثية التلفزة الأساسية وهي الصوت والصورة والألوان ومن خلال كاميرات متصلة بميكروفونات في أستوديو المحطة غالبا ومنه إلى العالم عبر الأقمار الصناعية تخاطب هذه الكلمة قاعدة جماهيرية كبيرة عبر وسائط الاتصال الجديدة مثل القنوات المتلفزة فضائيا بواسطة الأقمار الاصطناعية ، متجاوزة الحدود الجيوبوليتيكية إلى حدود لا متناهية المدى. يمكن أن تبني ويمكن أن تهدم. لها القدرة أن تصور الصواب خطأ وأن تحيل الخطأ صوابا. إنها يمكن أن تلعب دور الشيطان من خلال الشاشات البراقة ذات الألوان الزاهية المغرية، تزين للناس حب الشهوات من النساء والولدان والأموال والخيل المسومة والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة. ويمكن أن تشكك الناس في عقائدهم ويمكن أن تمارس دور الملاك المنقذ فتجعل أمة بأسرها تنتفض وتثور على حكومتها الظالمة ويمكن أن تقدم العلم النافع والدواء الناجع إن أحسن المرء الاختيار. إن التجاهل الصارخ من قِبل جميع الجهات المعنية بقضية ’إدارة الأسرة’، لنقْل هذه القضية إلى ميادين المناقشة العامة إعلاميا وندواتيا ومدرسيا وجامعيا وعلى كافة الصعد، هو في الواقع بمثابة معاول الهدم لأهم أساسيات المجتمع . كل المطلوب على الأقل، أن تُعاملَ أسوة بغيرها من القضايا، وعليه فإن التنادي لنفض الأغبرة عن هذه القضية هو ـ في اجتهادي - فرض عين على كل فرد في المجتمع قبل أن تتطور من كونها مشكلة ضخمة في طورها الحالي على المستوى العربي الخليجي إلى صيرورة الإشكالية التي حتما ستكون لها تداعيات مؤسفة.و يتبدى ذلك التجاهل الذي وصفناه بالصارخ ـ وقد نكون مقصرين في الوصف ـ من خلال الأمر الذي يمكِن وصفه بتلويث الوجدان الأسري العربي عن طريق تغييب الوعي بأغاني الفيديو كليب Video Clip والبرامج ذات الطبيعة السياسية الجدلية والعقيمة أحيانا، التي تركز على القضايا الصغرى وتدعو إلى تبنيها وتطبيعها، والتي تُعطي للمشاهد الانطباع بأنه لم يخرج بنتيجة من المشاهدة، والتي تشجع على إغراق النشء خاصة في الجنس وتزيين الشهوات المادية الأخرى وتحريض الشباب في الأمة على الإستهلاك الأعمى والسلبي والاقتناء المادي وغير ذلك من وسائل قتل الرجولة وحتى الإنسانية بأخنثة أهم ما يمتلك المجتمع وهو الأسرة بالأطفال والشباب ذكورا وإناثا.و الغاية من كل ذلك وغيره هو انفلات النشء والشباب من الرقابة الأسرية ووأد أي محاولة للابتكار والتصنيع والصيانة، في ضوء تغييب الدور الأسري ، حتى يكون شباب العرب ’عيالا’ على الآلة الغربية تستنفد أموالهم عن طريق تصدير الجديد بشكل متسارع مثل الأنواع الجديدة والمتلاحقة من الهواتف النقالة والسيارات وغيرها بهدف إلهاء النشء عن التفكير وصرف عقولهم عن الانشغال بالقضايا الكبرى التي تحاصر العالم العربي إن هذا التوصيف يدل على أن العقليات التي تقف وراء مثل هذه المؤسسات تدبر جرائم منظمة ضد الأمة وتحاول جاهدة أن تُريَ أن القضايا الكبرى للأمة قد انتهت. وحتى القضايا التي يتم التعاطي معها من خلال هذه القنوات غالبا ما تكون انتقائية بمعنى تركز على نقاط غير ذات أهمية بالنسبة للمواطن العربي وإنما تسلط الضوء على نقاط ترضي اتجاها معينا هنا وهناك. والأخطر من ذلك كله التعمد الصارخ لتشويه اللغة العربية وذلك عن طريق أدرجتها أي تفتيتها إلى لغات دارجة تمسخها مسخا على غرار (بِنْصًئْفْكُنْ) و(بِتاع) و(كِده) و(باكُولِّجْ).بل وتعدى الأمر إلى محاولات تشكيك الناس في ثوابتهم الإسلامية التي يفترض أن يكون ’السكن الأسري’ هو مصدرها. وهذه وتلك إحدى أكبر صور التواطؤ من قبل مديري ومدبري هذه القنوات مع تيار العولمة الصهيوني الأمريكي الذي يحارب الثقافة العربية في أكبر حصونها ألا وهو الحصن الأسري، إذ أن القيم الإسلامية واللغة العربية أهم مكونات الثقافة الأسرية العربية. وما الأسرة سوى أحد أهم نتاجات الثقافة.كل هذا التخريب الأسري، يتم تحت مظلة الثقافة والعولمة وعولمة الأسرة بصفة خاصة، وهو سلاح استعماري جديد أكثر فتكا من القنابل النووية بهدف خلق ثقافة أسرية عربية ممسوخة، يسودها الانفصام المبكر، مما أوجد بيئة أسرية غير نظيفة في العالم العربي.لقد أثبتت الدراسات أن التربية الأسرية القويمة بما تتضمنه من رقابة على السلوك وتقويم له، وفقاً لفلسفة المجتمع وقيمه، تؤدي إلى خلق مواطنين مسؤولين، يدركون حقوقهم ويعرفون واجباتهم.أكاديمي قطري