اعتبر الباحثان علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، ومحمد آيت الله طبار، أستاذ العلوم السياسية في جامعة تكساس إيه آند إم، أن المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران دخلت مرحلة يمكن وصفها بـ«الحروب الأبدية الجديدة»، حيث بات استمرار الصراع منخفض الحدة أقل تكلفة سياسياً للطرفين من تقديم التنازلات الضرورية للتوصل إلى اتفاق نهائي ومستدام.
تعثر المفاوضات وتصاعد المواجهة
ورأى الباحثان أن الجهود الدبلوماسية الأخيرة أخفقت في تحقيق اختراق حقيقي، مشيرين إلى تعثر المحادثات التي جرت على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوثين أميركيين.
وبحسب التحليل، رفضت واشنطن مقترحاً إيرانياً يقضي بتقليص المهلة المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز من 30 يوماً إلى سبعة أيام مقابل تخفيف الضغوط الاقتصادية، في حين أصرت الإدارة الأميركية على الحصول على تنازلات إضافية في الملف النووي.
وفي موازاة الجمود السياسي، أشار الباحثان إلى أن طهران وسّعت خياراتها الردعية لتشمل أهدافاً غير تقليدية، من بينها مراكز البيانات الإقليمية وكابلات الاتصالات البحرية، فضلاً عن التلويح باستهداف منشآت وقواعد عسكرية أميركية خارج الشرق الأوسط. كما لفتا إلى استمرار الهجمات التي تنفذها أطراف حليفة لإيران ضد بنى تحتية حيوية ومنشآت نفطية ومطارات في المنطقة.
تحول في العقيدة العسكرية الإيرانية
وأوضح التحليل أن إيران أعادت صياغة نهجها العسكري بعد الضربات التي تعرضت لها خلال حرب «الأيام الاثني عشر»، إذ انتقل مركز الثقل من الاعتماد على الحلفاء والوكلاء الإقليميين إلى تعزيز دور القوة الصاروخية والطائرات المسيّرة التابعة للحرس الثوري، باعتبارها الأداة الرئيسية للردع والرد المباشر.
الرهان على سقوط النظام «وهم سياسي»
وانتقد الباحثان التصورات السائدة في بعض الأوساط الغربية بشأن قرب انهيار النظام الإيراني، معتبرين أن الرهان على انهيار اقتصادي أو سياسي سريع يفتقر إلى الواقعية.
وأشارا إلى أن الدولة الإيرانية أظهرت قدرة على التكيف مع العقوبات والضغوط الخارجية عبر شبكات الاقتصاد غير الرسمي وآليات الدعم المجتمعي، ما سمح لها بالحفاظ على قدر من الاستقرار رغم الأزمات المتلاحقة.
كما رأيا أن الضغوط الخارجية والاستهدافات الأمنية المباشرة ساهمت في تعزيز النزعة القومية داخل إيران ودفع النظام نحو نموذج أكثر أمنية وتشدداً، الأمر الذي مكّنه من تصوير المواجهة مع واشنطن وحلفائها باعتبارها معركة دفاع عن الدولة والسيادة الوطنية.
مخاطر التصعيد وخيارات التهدئة
وحذر الباحثان من احتمال انزلاق المواجهة إلى مرحلة أكثر خطورة إذا وقع حادث عسكري كبير، مثل استهداف سفينة حربية أميركية وسقوط عدد كبير من الضحايا، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام رد عسكري واسع النطاق يصعب احتواؤه.
وفي المقابل، أكدا أن الخروج من دائرة التصعيد يتطلب إطاراً تفاوضياً شاملاً يعالج الملفات الخلافية الرئيسية على غرار الاتفاق النووي لعام 2015، بما يتيح خلق توازن سياسي جديد داخل إيران ويفتح المجال أمام مسار أكثر استقراراً للعلاقات مع الغرب.
كما طرحا خياراً آخر يقوم على التهدئة التدريجية وضبط النفس المتبادل وتخفيف الضغوط المتبادلة دون فرض شروط قصوى من أي طرف، إلا أنهما اعتبرا أن الظروف السياسية الحالية لا تزال بعيدة عن توفير الأرضية اللازمة لإنجاح مثل هذا المسار.
وخلص الباحثان إلى أن العلاقة بين واشنطن وطهران تبدو، في الوقت الراهن، عالقة بين خيارين صعبين: استمرار المواجهة المزمنة منخفضة الحدة، أو الدخول في تسوية تاريخية تتطلب تنازلات لا يبدو أي من الطرفين مستعداً لتقديمها في المدى المنظور.


