في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، دخل لبنان فعليًا في مواجهة عسكرية عبرانخراط حزب الله، رغم الأزمات العميقة التي يعيشها وعدم تعافيه من آثارالحرب الأخيرة، ما يطرح تساؤلات جدية حول كلفة هذا المسار وتداعياته.
ويتناول هذا التقرير انعكاسات هذا الانخراط على الداخل اللبناني، وتأثيراتهالإقليمية، خاصة على الضفة الغربية، استنادًا إلى آراء باحثين ومحللينسياسيين.
لبنان بين إرث الحرب الماضية ومخاطر الانهيار المتجدد
يرى الباحث في الشأن السياسي د. مجدي عيسى أنّ أيّ انخراط جديدللبنان في الحرب يأتي في لحظة هشّة للغاية، حيث لم يتعافَ البلد بعد من آثارالمواجهات السابقة. ويؤكد أنّ تداعيات أيّ حرب جديدة ستكون مرتبطة بطبيعةالمواجهة وحدّتها ومدتها، لكنّها في جميع الأحوال ستنعكس سلبًا علىالاستقرار الداخلي.
ويشير إلى أنّ لبنان يعاني أصلًا من انقسام سياسي وطائفي عميق، يتفاقممع التوتر القائم بين الدولة و"حزب الله" بسبب مسألة السلاح خارج إطارالدولة، ما يهدد وحدة القرار الوطني. كما يحذر من موجات نزوح داخلي منالجنوب نحو مناطق أخرى، الأمر الذي سيؤدي إلى تغييرات ديمغرافية وضغوطإضافية على الاقتصاد والبنية الاجتماعية.
ويضيف د. عيسى أنّ أيّ تصعيد قد يتوسع جغرافيًا ليشمل مناطق أخرى، بما فيها الضاحية الجنوبية، مع خطر حقيقي بانزلاق الوضع إلى فوضى أمنيةنتيجة تراجع قدرة الدولة على السيطرة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يؤكد د. عيسى أنّ لبنان، الذي يعاني أصلًا منأزمات حادة، سيواجه مزيدًا من الانهيار في العملة والقدرة الشرائية، إضافةإلى تدمير محتمل للبنية التحتية التي لم تُرمم بعد.
بين إعادة الإعمار والتصعيد: معضلة الأولويات وثقة المواطن
يضع د. عيسى هذه الإشكالية في صلب الأزمة اللبنانية، معتبرًا أنّ التحولمن إعادة الإعمار إلى التصعيد العسكري يمثل مخاطرة استراتيجية كبرى. فالدولة، وفق تقديره، ستدخل في حالة إنهاك شامل، مع اضطرارها للانتقالإلى اقتصاد طوارئ في ظلّ حرب مفتوحة.
ويشير إلى إشكالية جوهرية تتمثل في أنّ قرار السلم والحرب ليس بيد الدولةبالكامل، ما يؤدي إلى فقدان القرار السيادي الموحد. ويؤكد أنّ هذا الواقعسينعكس مباشرة على المجتمع من خلال: تراجع الثقة بالمؤسسات، وضعفالأمن النفسي، وارتفاع معدلات الهجرة، وتعمّق الانقسام الداخلي بين مؤيدومعارض للمواجهة.
وفي السياق ذاته، يرى مدير معهد فلسطين لأبحاث الأمن القوميحابس الشروف أنّ مشاركة "حزب الله" منذ البداية أثارت جدلًا استراتيجيًاعميقًا داخل لبنان، حيث اعتبرها البعض ضرورة تكتيكية لإسناد غزة، بينمارأى فيها آخرون خطأ فادحًا أدخل لبنان في دوامة انهيار اقتصادي وسياسي.
ويشير الشروف إلى أنّ الحرب السابقة خلّفت خسائر بشرية كبيرة ودمارًاواسعًا ونزوحًا جماعيًا، ما يجعل تكرار التجربة اليوم أكثر كلفة وخطورة، خاصةفي ظلّ غياب أيّ ضمانات لنتائج إيجابية.
من جانبه، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي من بيروت د. جو معكرون أنّ انخراط لبنان في المواجهة العسكرية غيّر دينامية النزاع، في وقت لم تكن فيهعملية إعادة الإعمار تسير بشكل طبيعي، إذ كانت البلاد تمر بمرحلة حساسةتتعلق بملف نزع السلاح، قبل أن ينهار وقف إطلاق النار السابق ويدخل المشهدفي تصعيد جديد.
ويؤكد أنّ إسرائيل تفرض واقعًا ميدانيًا مختلفًا عبر توسيع نقاط انتشارها فيجنوب الليطاني، ما يشير إلى أنّ لبنان دخل فعليًا مرحلة حرب جديدة، بالتزامنمع استمرار عمليات "حزب الله".
ويضيف د. معكرون أنّ قرار الدولة اللبنانية بحظر النشاط العسكري للحزب، رغم أهميته السياسية، يصعب تطبيقه عمليًا، ما يعكس تعقيد المشهد الداخلي. ويشير إلى أنّ تطورات المرحلة تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، ترتبطبمآلات التوازنات الإقليمية، خصوصًا بين الولايات المتحدة وإيران، في ظلسعي إسرائيل إلى استثمار الوضع لفرض أمر واقع جديد.
التداعيات الإقليمية: تصعيد متعدد الجبهات وانعكاسات علىالضفة الغربية
يحذر الشروف من أنّ انخراط لبنان في الحرب قد يؤدي إلى توسيع رقعةالصراع إقليميًا لتشمل أطرافًا أخرى مثل اليمن والعراق، مع تصاعد التوتر بينقوى إقليمية كبرى، لا سيما بين إيران وإسرائيل، ما يزيد من تعقيد المشهدويهدد الاستقرار الإقليمي، بل وقد يمتد تأثيره إلى التجارة العالمية.
أما على صعيد الضفة الغربية، فيؤكد الشروف أنّ إسرائيل قد تستغلالانشغال الإقليمي لتسريع سياساتها على الأرض، مشيرًا إلى: تصاعدالاستيطان بوتيرة غير مسبوقة، تسريع إجراءات الضم الزاحف، تكثيفالضغوط الاقتصادية والعسكرية على الفلسطينيين.
ويتقاطع ذلك مع ما طرحه د. عيسى، الذي يرى أنّ أي تصعيد في لبنانسينعكس على الضفة عبر: تشديد الإجراءات العسكرية الإسرائيلية، وارتفاعاحتمالات المواجهات الميدانية، وزيادة الضغوط الاقتصادية على الفلسطينيين.
الخيارات الفلسطينية: الصمود وتجنّب الانجرار
يؤكد د. عيسى أنّ الفلسطينيين، رغم محدودية الخيارات، يمكنهم تعزيزقدرتهم على الصمود عبر: تقوية التكافل الاجتماعي والوحدة الداخلية، وإدارةأيّ مواجهة بشكل محسوب لتقليل الخسائر، والاستعداد اقتصاديًا عبر مايسميه "الاقتصاد المقاوم".
بينما يشدد الشروف على أنّ الأولوية يجب أن تكون منع انفجار الأوضاع فيالضفة الغربية، من خلال: تحقيق الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، وتبنياستراتيجية سياسية وقانونية موحدة، وتعزيز الأمن الداخلي ومنع الفوضى، تفعيل التحرك الدبلوماسي دوليًا، وتوفير شبكة أمان اقتصادية عربية.
ويحذر من أنّ أيّ انزلاق غير محسوب قد يخدم أجندات تسعى إلى إضعافالسلطة الوطنية وتقويض حل الدولتين.
تكشف مجمل الآراء أنّ انخراط لبنان في حرب جديدة لا يُنظر إليهكخيار استراتيجي محسوب، بل كمسار محفوف بالمخاطر علىالمستويين الداخلي والإقليمي. فلبنان، الذي لم يتعافَ بعد، مهددبمزيد من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، فيما تتعمق أزماتهالسياسية والأمنية.
وفي المقابل، تمتد التداعيات إلى الإقليم، حيث يزداد خطر التصعيدمتعدد الجبهات، بينما تجد الضفة الغربية نفسها أمام واقع أكثرتعقيدًا وضغطًا. وبين هذا وذاك، يبقى التحدي الأكبر هو إدارةالأولويات بحكمة، وتفادي الانجرار إلى مسارات قد تُفاقم الخسائربدل أن تحقق مكاسب حقيقية.


