برز مجتبى نجل المرشد الإيراني الأعلى الذي اغتيل مع بداية الحرب، علي خامنئي، بوصفه الأوفر حظا لخلافة والده في المنصب، وذلك بعد سنوات قضاها في توطيد علاقات وثيقة مع قوات الحرس الثوري، وبناء نفوذ داخل المؤسسة الدينية.
وترغب طهران في اختيار خلف لخامنئي الذي قاد البلاد منذ العام 1989، "في أقرب فرصة"، على ما قال الأربعاء، عضو مجلس خبراء القيادة المسؤول عن اختيار المرشد الجديد، أحمد خاتمي.
ونقلت وكالة "رويترز" للأنباء عن مصدرين إيرانيين، الأربعاء، أن مجتبى خامنئي (56 عاما) نجا من الحرب الجوية الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وتنظر إليه المؤسسة الحاكمة في إيران على أنه خليفة محتمل لوالده، الذي قُتل في غارة جوية، السبت الماضي.
وأضاف المصدران أن مجتبى، وهو رجل دين نافذ، عارض الإصلاحيين الذين يسعون إلى الانخراط مع الغرب في محاولته لكبح البرنامج النووي الإيراني، ويطالبون منذ فترة طويلة بمزيد من الحريات.
وقال أشخاص مطلعون على الأمر إن علاقاته الوثيقة بالحرس الثوري، تمنحه نفوذا إضافيا عبر أجهزة إيران السياسية والأمنية، وبنى أيضا نفوذا خلف الكواليس، بصفته "حارس بوابة" والده.
وقال كسرى أعرابي، رئيس فريق أبحاث الحرس الثوري في منظمة "متحدون ضد إيران النووية"، وهي منظمة سياسات مقرها الولايات المتحدة، إن "لديه قاعدة قوية، ولديه دعم داخل الحرس الثوري، ولا سيما بين الأجيال الأصولية الشابة".
وأضاف "لذا، إذا كان مجتبى على قيد الحياة، فهناك احتمال كبير أن يخلف (والده)"، واصفا مجتبى بأنه يعمل بالفعل بصفته "الزعيم الأعلى المصغر".
قرار الخلافة
وقال خاتمي، عضو مجلس خبراء القيادة الذي يختار الزعيم الأعلى الجديد، للتلفزيون الرسمي، الأربعاء، إن المجلس بات "قريبا من التوصل إلى نتيجة"، وسيعلن قراره قريبا، من دون أن يذكر أسماء المرشحين.
ويملك المرشد الأعلى الكلمة الفصل في شؤون الدولة، بما في ذلك السياسة الخارجية والبرنامج النووي الإيراني. وتسعى القوى الغربية إلى منع طهران من صنع أسلحة نووية، بينما تقول إيران إن برنامجها النووي مخصص لأغراض مدنية فقط.
ووُلد مجتبى عام 1969 في مدينة مشهد، ونشأ في وقت كان والده يشارك في قيادة المعارضة ضد الشاه. وفي شبابه شارك في الحرب العراقية-الإيرانية.
وتلقّى مجتبى تعليمه على يد محافظين دينيين في حوزات قم، مركز الدراسة الفقهية الشيعية في إيران، ويحمل اللقب الديني "حُجة الإسلام".
ولم يشغل قطّ منصبا رسميا في سلطات الجمهورية الإسلامية، رغم أنه يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه "حارس بوابة" والده. وظهر في تجمعات لأنصار النظام، لكنه نادرا ما تحدث علنا.
وظل دوره لسنوات مثار جدل داخل إيران، إذ يرفض منتقدون أي إشارة إلى سياسة توريث للحكم في بلد أطاح عام 1979 بنظام الشاه المدعوم من الولايات المتحدة.
العقوبات الأميركية
فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على مجتبى في عام 2019، قائلة إنه يمثل الزعيم الأعلى "بصفة رسمية، رغم أنه لم يُنتخب أو يُعين في منصب حكومي"، باستثناء عمله في مكتب والده.
وذكرت أن خامنئي فوّض بعض مسؤولياته إلى مجتبى، الذي قالت إنه عمل عن كثب مع قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ومع الباسيج، وهي مجموعة دينية تابعة للحرس، "لتحقيق الطموحات الإقليمية المزعزعة للاستقرار لوالده وأهدافه الداخلية القمعية".
وكان مجتبى هدفا لانتقادات خاصة من المحتجين خلال الاضطرابات التي اندلعت بسبب وفاة شابة أثناء احتجازها لدى الشرطة في عام 2022، بعد اعتقالها بحجة مخالفتها قواعد اللباس الصارمة في البلاد.
ويشبه مجتبى والده إلى حد كبير، ويرتدي العمامة السوداء.
ويقول منتقدون إن مجتبى يفتقر إلى المؤهلات الدينية اللازمة ليكون مرشدا أعلى؛ فلقب "حُجة الإسلام" أدنى بدرجة من لقب "آية الله"، وهو اللقب الذي كان يحمله والده وكذلك "روح الله" الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية.
لكن اسمه ظل مطروحا، لا سيما بعد وفاة مرشح كبير آخر للمنصب، وهو الرئيس السابق إبراهيم رئيسي، في حادث تحطم طائرة هليكوبتر عام 2024.
وأشارت برقية دبلوماسية أميركية كُتبت في عام 2007 ونشرها "ويكيليكس" إلى ثلاثة مصادر إيرانية وصفت مجتبى بأنه وسيلة للوصول إلى خامنئي.
ويُعتقد على نطاق واسع أن مجتبى يقف وراء الصعود المفاجئ للسياسي المحافظ محمود أحمدي نجاد، الذي انتُخب رئيسا في عام 2005.
ودعم مجتبى أحمدي نجاد في عام ،2009 عندما فاز بولاية ثانية في انتخابات متنازع على نتائجها أدت إلى احتجاجات مناهضة للسلطات، والتي قُمعت بعنف على يد الباسيج وقوات أمنية أخرى.
وكتب مهدي كروبي، وهو رجل دين ترشح في الانتخابات، رسالة إلى خامنئي في ذلك الوقت يعترض فيها على ما أسماه دور مجتبى في دعم أحمدي نجاد. ورفض خامنئي الاتهام.
وزوجة مجتبى، التي قُتلت في غارات جوية يوم السبت، هي ابنة شخصية محافظة كبيرة، وهو رئيس البرلمان السابق، غلام علي حداد عادل.
أعرافي ينضمّ إلى مجلس القيادة المؤقّت في إيران
وبرز علي رضا أعرافي، والحائز على لقب "آية الله"، كشخصية مركزية في هيكل السلطة الإيراني في وقت يشهد اضطرابات غير مسبوقة، إذ دُفع به إلى منصب قيادي من بين صفوف كبار رجال الدين، بعد مقتل خامنئي.
وكان رجل الدين الذي تصفه تقارير بـ"المتشدد"، معروفا في السابق بصفته عالما وإداريا، وهو حاليا من بين ثلاثة مسؤولين كبار مكلفين بتوجيه الدولة، خلال أكثر فتراتها اضطرابا، منذ ثورة 1979.
علي رضا أعرافي، عضوا في مجلس القيادة المؤقّت في إيران
وعُين أعرافي في مجلس قيادة مؤقت مكون من ثلاثة أعضاء لإدارة شؤون الدولة إلى جانب الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني أجئي، عقب مقتل خامنئي في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير.
وتتمثل الأولوية القصوى للقيادة، إلى جانب الرد على الهجمات الأميركية والإسرائيلية، في إدارة عملية خلافة المرشد الأعلى، وهي عملية تخضع لضغوط استثنائية في وقت الحرب. وإذا لم يتم تعيين مرشد أعلى بسرعة، فإن المؤسسة الدينية تخاطر بأن ينظر إليها على أنها ضعيفة وغير قادرة على ضمان استمرارية الحكم.
أعرافي، في أواخر الستينيات من عمره، أقل شهرة في الخارج من رجال الدين البارزين الآخرين. لكن الترقيات المتتالية من قبل خامنئي الذي كان معاديا بشدة للغرب، شكّلت مسيرته المهنية، ودفعت به إلى دائرة الضوء، حتى أن بعض رجال الدين اعتبروا أعرافي خليفة محتملا لخامنئي.
يفتقر إلى الخبرة السياسية لكنه متوافق مع خامنئي
مع ذلك، لكي يتولى أعرافي هذا المنصب، سيتعين عليه تخطي عدة عقبات إجرائية، إذ سيتعين أولا على لجنة داخل مجلس الخبراء المكون من 88 عضوا، وهو الهيئة المكلفة باختيار الزعيم المقبل، طرح اسمه في جلسة يحضرها ما لا يقل عن ثلثي الأعضاء.
وعلى الرغم من افتقاره إلى الخبرة السياسية العملية، ينظر إلى أعرافي، المولود في 1959، على نطاق واسع على أنه متوافق بقوة مع خامنئي ورؤيته الأيديولوجية. ودأب على القول إن الحكم يجب أن يرتكز على التطبيق الشامل للفقه الشيعي.
ويتركز نفوذه بشكل أساسي في المناصب القوية التي شغلها، وهي رئيس جامعة المصطفى العالمية، وعميد الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة لدى الشيعة في إيران.
وهو أيضا عضو في مجلس صيانة الدستور، الذي يوافق على جميع المرشحين للمناصب الانتخابية، وعضو في مجلس الخبراء، وهي مناصب حصل عليها بدعم وثقة خامنئي.
وتعود مؤهلاته كشخصية كبيرة داخل المؤسسة الدينية الإيرانية إلى سنواته الأولى كطالب في العلوم الدينية يبلغ من العمر 11 عاما، عندما انتقل إلى مدينة قم، مركز الدراسات الدينية الشيعية.
وبمرور السنين أكمل أعرافي دراساته العليا في الفقه والفلسفة.
وبدأت مسيرة أعرافي المهنية بعد أن أصبح خامنئي المرشد الأعلى في 1989. وبدأ عمله في مسقط رأسه ميبد كخطيب لصلاة الجمعة في سن 33 عاما، وهي إحدى أولى العلامات على أنه نال ثقة خامنئي، الذي كان يرقي الموالين له بشكل إستراتيجي.
جامعة تروّج للفكر الشيعيّ الإيرانيّ
في وقت لاحق، شغل نفس المنصب في مدينة قم الشيعية المقدسة في إيران، واكتسب سلطة دينية ونفوذا سياسيا في النظام الديني الإيراني.
وأصبح أعرافي رئيسا لجامعة المصطفى العالمية، التي تضم حوزات دينية وكليات إسلامية في أكثر من 50 دولة، وتسعى إلى نشر أيديولوجية الجمهورية الإسلامية في الخارج.
ووفقا لموقع الجامعة باللغة الفارسية، يبلغ عدد الطلاب الأجانب المسجلين في الجامعة أكثر من 50 ألف طالب، ويحصل الطلاب في حرمها الجامعي في إيران على سكن مجاني وقروض سكنية ورعاية صحية لهم ولأسرهم.
وقالت إن فيلق القدس جنّد طلابا باكستانيين وأفغان من جامعة المصطفى العالمية في لواء زينبيون وفرقة فاطميون، وهما مجموعتان مسلحتان انتشرتا في سورية، تحت قيادة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، والذي سبق أن فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات في إطار إجراءات مواجهة الإرهاب وحقوق الإنسان.
خلال فترة ولايته، ادعى أعرافي أن نحو 50 مليون شخص اعتنقوا الإسلام الشيعي في غضون ثماني سنوات من خلال أنشطة التوعية التي قامت بها المؤسسة. وشكك منتقدون في هذا الادعاء.
وفي 2016، تم تعيينه رئيسا لمنظومة المدارس الدينية الوطنية الإيرانية.
وعزز أعرافي مكانته السياسية بعد ثلاث سنوات، عندما اختاره خامنئي للانضمام إلى مجلس صيانة الدستور، وهو هيئة رقابة انتخابية قوية، تراجع التشريعات، وتحدد أهلية المرشحين للانتخابات.


