خبر : غروبي السلام: كل واحد ومعياره/بقلم: يوسي بيلين /اسرائيل اليوم 3/3/2010

الأربعاء 03 مارس 2010 11:45 ص / بتوقيت القدس +2GMT
غروبي السلام: كل واحد ومعياره/بقلم: يوسي بيلين /اسرائيل اليوم  3/3/2010



 مثل اليوم، قبل ثلاثين سنة، د. الياهو بن اليسار، الذي شغل منصب مدير عام ديوان رئيس الوزراء، رفع كتاب اعتماده الى الرئيس المصري انور السادات. كان يخيل أنه تغيرت الامور من أساسها، وهي بالفعل تغيرت. الجيل الذي رأى في جمال عبد الناصر كبير اعداد اسرائيل، الجيل الذي رأى في مصر العدو الاكبر والاكثر تهديدا، مقر الجامعة العربية وأمينها العام الذي لا يكل ولا يمل، عبدالخالق حسونه، رأى فجأة رجل حركة حيروتس، صقر وصهيوني، يرفع كتاب اعتماده للرئيس المصري، في القاهرة.  ايلي بن اليسار شغل منصب الناطق بلسان الليكود عندما كنت مراسلا لصحيفة "دافار"، وعلى مدى سنوات اصبح الرجل الذي شرح لي غياهب الحزب الذي كانت معرفتي به نظرية فقط حتى ذلك الحين. تذكرت محادثاتنا الطويلة التي شرح لي فيها كيف لا يمكن صنع السلام هنا وكنت سعيدا سواء لعظمة الساعة ام لحقيقة أنه نفسه اصبح سفيرنا الاول في مصر. فالوصول الى القاهرة وزيارته هناك كانت تجربة خاصة.  ولكن التحول الحقيقي وقع لدى بوريس كرمي، مصور مجلة "دافار الاسبوعية". وقد درجت على أن اخرج مع بوريس، كل اسبوع تقريبا، في سيارتي الفيت الصغيرة لاعدادي "تقريرا ملونا". وكان هو مصورا رائعا، مبايي سابق، اعتزل مع بن غوريون الى حزب رافي، لم يصدق الاغيال اكثر مما ينبغي وبالاساس لم يصدق العرب.  عندما كنا نسافر بعيدا، في بداية السبعينيات كان يشرح لي بان احلامي السلمية مع جيراننا لن تتحقق إذ لا يمكن الثقة بالعرب وبالتأكيد ليس بالمصريين. السادات تحدث في حينه عن "سنة الحسم" وعن استعادة شبه جزيرة سيناء بالقوة او بالاتفاق وكان بوريس راضيا جدا عن غولدا، دايان وجليلي، الذين لم يقعوا في فخ العسل الذي أعده لهم ولم يكونوا مستعدين للتنازل عن سيناء من اجل "قطعة ورق ما". ناهيك عن ان الدبابات المصرية من شأنها ان تصل الى سيناء، الى تل أبيب "دفعة واحدة" وتعريض كل المشروع الصهيوني للخطر.  بالنسبة للتهديد بالحرب الان – يبدو لي هذا مضحكا حقا ان المصريين، الذين فروا كما فروا في الايام الستة – سيتجرأون على اقتحام خط برليف. "فليحاولوا فقط"، كان يهدد، مثلما يعرف بالضبط ما ينتظرهم على الجانب الشرقي من قناة السويس.* * * بعد نصف سنة قضيتها في خدمة الاحتياط في فترة حرب يوم الغفران، وفورها تماما، التقينا، بوريس وانا، وسافرنا لاعداد "تقريرا ملونا". كنت تواقا لان افهم ماذا فعلت به الحرب. ولكن هذا ما كان ينبغي أن يفاجأني في  أن استنتاجه الوحيد هو انه لا يمكن الاعتماد على احد ويجب ان نكون  اقوياء لان جيراننا قد يفاجئوننا سلبا فقط. فلم يكن ممكنا خداع بوريس.  ولكني لم اتنازل بسهولة وذات يوم سألته ما الذي بوسعه أن يجعله يصدق بانه يمكن الوصول الى السلام مع مصر. ففكر بوريس، فكر واجابني بجواب لم اتوقعه على الاطلاق: مع مصر لا يمكن ان يكون سلام لانها لن تسلم ابدا بوجودنا. بالنسبة لي السلام مع مصر هو ان اتمكن من الوصول الى "غروبي" وأن احتسي هناك القهوة التي احب". لم أعرف في حينه ماذا كان قصده. ولكن تبين أن هذا كان المقهى الاكثر شعبية في القاهرة، وجنود الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية، الذي ارتبط بوريس بهم درجوا على الجلوس هناك واحتساء القهوة عندما كان هو في مهمته.  الان فهمت بان مهمة السلام تصبح شبه متعذرة. على أي حال اتفاق موقع وتبادل للسفارات، ولكن جلب بوريس كرمي من "دافار" لاحتساء القهوة في "غربي" بدا لي في تلك السنين التي تلت حرب يوم الغفران، تحديا لا يمكن الصمود فيه. ومرت الايام، وغادرت الصحيفة، وخرج بوريس على التقاعد، ووصل السادات الى البلاد، ووقع بيغن معه على اتفاق سلام واعلنت غولدا مائير، في سخفها، بانهما يستحقان جائزة اوسكر وليس جائزة نوبل، والحاخام ملوفافتش هدد بان هذا فعل يعرض اسرائيل للخطر من ناحية أمنية، والنائب الشاب ايهود اولمرت صوت ضد اتفاقات كامب ديفيد في الكنيست.  ولكن لم أعرف ما قاله بوريس.  بعد سنوات من ذلك التقيت بوريس في شارع في المدينة. "الان يوجد سلام مع مصر!" – أبلغني بفرح. خشيت أن يكون حدث له شيء ما. فبعد كل شيء، السلام مع مصر بات حقيقة تاريخية نجت بعد اغتيال السادات واقواله لم تكن مثابة أي نبأ جديد.  "كنت في "غروبي" واحتسيت هناك قهوتي"، شرح قائلا وذكرني باختباره عن السلام، الذي نسيته في هذه الاثناء.* * * لكل واحد منا اختباراته للسلام. ثمة من يريد الا يأتي السلام من الحديث بين اناس محنطين في بدلاتهم، يجلسون في المقاهي الفاخرة ويتبادلون المسودات فيما بينهم، بل أن يأتي من الشعب كنتيجة لثقة حقيقية تنشأ على مدى السنين بين الطرفين. يحتمل، وان كان التاريخ لم يلتقِ بمسيرة كهذه بعد بل ومن الصعب فهم كيف ستمر المسيرة من الجمهور الى مرحلة التوقيع على اتفاق، ومن سيقرر بان اللحظة قد حانت بالفعل.  هناك الواثقون بان كل شيء مرتبط بوسائل الاعلام وبالتعليم وهم يريدون أن يتأكدوا بانه لا توجد تربية على كراهية اسرائيل في المدارس وان برامج التلفزيون والراديو لا تزرع السم ضدنا ولا تنشر اللاسامية. هناك الراغبون في أن يضمنوا التبادل الثقافي وغير مستعدين لان يكتفوا بـ "سلام بارد". فهم يريدون الحب. ولكن السياسيين لا يمكنهم أن ينتظروا زيارة بوريس كرمي الى "غروبي". عليهم ان يسألوا أنفسهم ما هي مساهمة الخطوة السياسية في المصلحة الوطنية لاسرائيل، وان يتخذوا القرار. في هذا الاختبار فشلت غولدا مائير ونجح مناحيم بيغن. فشل اسحق رابين وبنيامين نتنياهو ونجح رابين وبيرس.  لكل واحد من الاربعة الاخيرين اعطيت فرصة ثانية. الفرصة الثانية لنتنياهو لن تبقى في يديه الى الابد. عليه أن يقرر. يمكنه أن يصنع السلام مع سوريا، بالضبط حسب مبادىء السلام مع مصر. يمكنه أن يصنع السلام مع الفلسطينيين. مع كل المصاعب الماضية، وانطلاقا من المعرفة بان هذا لن يتضمن في هذه المرحلة غزة وحماس.  ستكون معارضة لهذه الافعال. سيكون هناك من لن يصدق جديته وسيعرض عليه، مثل غولدا، جائزة اوسكار. الحبابيون لن يغدقوا عليه الثناء، اما الخلفاء الفكريون لاولمرت في الليكود فسيصوتون في الكنيست ضد السلام الذي سيجلبه نتنياهو وسيقولون انه الليكود الحقيقي. ولكن مساهمته لامن اسرائيل وتحقق الفكرة الصهيونية ستكون مشابهة لمساهمة بيغن، وربما اكثر منها. اذا كان يريد. اذا كان اعتباره الاساس لن يكون بقاءه السياسي، اذا كانت لديه الشجاعة.