يحلّ شهر رمضان هذا العام على أبناء شعبنا في ظلّ ظروف معقّدة، إلا أنّ هذا الشهر المبارك يثبت مجدداً قدرته على إعادة بث الطمأنينة في النفوس، وتعزيز التماسك المجتمعي، وإحياء المعاني الروحيّة التي تمنح الإنسان قوةداخلية لمواجهة الضغوط. وبين الواقع الصعب والإيمان العميق، ينجح شعبنافي صناعة حالة من الاستقرار المعنوي، تجعل من رمضان مساحة أمل وتجدد.
رمضان كمساحة لتعزيز الشعور بالأمان الداخلي
تشير المختصة النفسية سعاد المحتسب إلى أنّ شهر رمضان، رغم مايحيط بشعبنا من ضغوط، يشكّل فرصة حقيقية لإعادة التوازن النفسي. فوجودروتين يومي منظم (سحور، إفطار، عبادات) يساعد الأفراد على استعادةالشعور بالسيطرة والاستقرار.
وتوضح أنّ كثيراً من الناس يتجهون خلال هذا الشهر إلى تقليل متابعة الأخباروالانخراط أكثر في العبادات والأعمال الخيرية، ما يخفف من مستويات القلقوالتوتر. كما يعزز رمضان الشعور بالانتماء الاجتماعي، من خلال اللقاءاتالعائلية وروح التكافل، وهو ما ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية.
وتضيف المحتسب أنّ التوجه نحو العطاء، مثل الصدقات ومساعدة الآخرين، يمنح الأفراد شعوراً بالمعنى، ويساهم في تخفيف آثار الضغوط السابقة، ويعيدبناء الإحساس بالأمان الداخلي والطمأنينة.
حضور ثابت رغم التحديات في محيط المسجد الأقصى
يرى المحلل السياسي فادي أبو بكر أنّ شهر رمضان يبرز سنوياً كدليلعلى تمسّك أبناء شعبنا بحضورهم الديني والثقافي، خاصة في القدس. فالإقبال على العبادة، والسعي للوصول إلى المسجد الأقصى، يعكسان إرادةجماعية في الحفاظ على الهوية والانتماء.
ويؤكد أنّ هذا الحضور لا يقتصر على البعد الديني، بل يحمل رسالة ثباتواستمرارية، حيث ينجح الفلسطينيون في الحفاظ على طقوسهم رغمالتحديات، ما يعزز الشعور بالتماسك والقوة الجماعية.
كما يشير أبو بكر إلى أنّ رمضان، بطبيعته الجامعة، يخلق حالة من التوازن، حيث تتحول اللحظة الدينية إلى مساحة تعزز الصمود وتعيد ترتيب الأولوياتباتجاه الأمل والاستمرارية.
الهدوء كقيمة مجتمعية تتجدد في رمضان
يؤكد الناشط الشبابي جعفر شبيطة أنّه في الضفة، يكتسب الهدوء فيرمضان بعداً خاصاً، إذ يسعى الناس إلى صناعته بأنفسهم، عبر التكاتف، وتنظيم الحياة اليومية، والحفاظ على الطقوس التي تمنحهم شعوراً بالاستقرار. فالاجتماعات العائلية، والزيارات، والإفطارات الجماعية، كلها تسهم في خلقبيئة داعمة نفسياً، تساعد الأفراد على تجاوز التوتر، وتعزز الشعور بالأمانالمجتمعي.
ويضيف أنّه رغم التحديات، ينجح المجتمع في الحفاظ على إيقاع رمضانيخاص، يعكس قدرة الفلسطينيين على التكيّف وصناعة لحظات هدوء حقيقيةداخل واقع متغير.
البعد الروحي… مصدر القوة والسكينة
يعتبر الشيخ خميس عابدة أنّ رمضان يحمل في جوهره طاقة روحيةعظيمة، تساعد الإنسان على تجاوز الصعاب. فالعبادات، من صيام وصلاةوقيام، تعمّق الصلة بالله، وتمنح القلب سكينة خاصة. كما يبرز الشهر قيمالتكافل والتراحم، حيث يتسابق الناس في فعل الخير، وتقديم المساعدة، وصلةالأرحام، مما يعزز الروابط الاجتماعية ويخلق بيئة مليئة بالمحبة والدعم.
ويوضح الشيخ عابدة أنّ التحديات التي مر بها شعبنا في السنوات الأخيرةزادت من عمق هذه الروحانية، وجعلت رمضان مناسبة للتقرب إلى الله بشكلأكبر، واستمداد القوة والأمل من الإيمان.
رمضان… مساحة أمل متجددة
رغم كلّ الظروف، ينجح رمضان في أن يكون محطة لإعادة شحن النفسبالأمل. فتنظيم الحياة اليومية، والانخراط في العبادات، وتعزيز العلاقاتالاجتماعية، كلها عوامل تسهم في خلق شعور بالاستقرار- لو كان نسبياً.
ويستمر أبناء شعبنا في الحفاظ على روح هذا الشهر، باعتباره فرصة للتماسكوالتجدد، ومناسبة لتأكيد قدرتهم على الاستمرار بثبات وإيجابية.
رمضان في فلسطين ليس مجرد شهر ديني، بل تجربة إنسانيةمتكاملة تعكس قوة المجتمع وقدرته على تحويل التحديات إلىفرص للتقارب والسكينة. وبين الروحانية والتكافل، ينجح شعبنا فيصناعة طمأنينة حقيقية، تثبت أنّ الأمل يمكن أن ينمو حتى فيأصعب الظروف.


