وصل رئيس لجنة التكنوقراط الفلسطينية المكلّفة إدارة شؤون قطاع غزة إلى واشنطن لحضور الاجتماع الافتتاحي لـ”مجلس السلام” الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بحسب ما أفاد مسؤولان فلسطينيان وكالة فرانس برس الخميس.
وقال مصدر مطّلع في اللجنة إن “الدكتور علي شعث وصل فجر اليوم إلى واشنطن، للمشاركة في اجتماع مجلس السلام، حيث يلقي كلمة يقدم فيها الخطوط العامة لخطّته للأيام المئة الأولى، ويرافقه مسؤول ملف المالية في اللجنة”.
وأكد عضو في اللجنة لفرانس برس وصول شعث إلى واشنطن.
ويفتتح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الخميس في واشنطن، الاجتماع التأسيسي الأول لـ ‘مجلس السلام’، وهي المبادرة التي أطلقها كجزء من رؤيته لإنهاء الحرب في قطاع غزة وتوسيع نفوذ واشنطن في إدارة النزاعات الدولية.
ويأتي هذا الاجتماع في ظل استقطاب حاد، حيث يراه حلفاء ترامب خطوة عملية لتجاوز الجمود الدولي، بينما تعتبره دول أخرى تقويضاً مباشراً لدور الأمم المتحدة ومؤسساتها.
ويستند المجلس في شرعيته إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الصادر في نوفمبر الماضي، والذي اعترف به كإدارة انتقالية مؤقتة تتولى وضع الإطار العام وتنسيق التمويل لإعادة إعمار غزة. وبموجب هذا التفويض، يمتلك المجلس صلاحية نشر قوة استقرار دولية في القطاع حتى نهاية عام 2027، مع إلزامية تقديم تقارير دورية لمجلس الأمن كل ستة أشهر.
وتشير الوثائق التأسيسية للمجلس إلى هيكلية مالية وسياسية فريدة، حيث تبلغ مدة العضوية للدول ثلاث سنوات، لكن الميثاق يتيح الحصول على عضوية دائمة مقابل مساهمة مالية قدرها مليار دولار لدعم أنشطة المجلس. ويمنح الميثاق رئيس المجلس، دونالد ترامب، سلطات تنفيذية واسعة تشمل حق النقض الحصري على القرارات وصلاحية عزل الأعضاء، مما يركز القرار الفعلي في يد البيت الأبيض.
ويضم المجلس التنفيذي للمبادرة أسماء بارزة من الدائرة المقربة لترامب، من بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس جاريد كوشنر. كما انضم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير إلى الفريق القيادي، وهو ما أثار انتقادات واسعة نظراً لتاريخه المرتبط بحرب العراق والسياسات الإمبريالية في المنطقة.
وعلى صعيد المشاركة الدولية، أعلن المجلس انضمام أكثر من 20 دولة كأعضاء مؤسسين، من بينها قوى إقليمية مثل إسرائيل والسعودية ومصر وقطر والأردن والإمارات وتركيا. كما شملت القائمة دولاً من مناطق مختلفة مثل الأرجنتين وروسيا البيضاء وإندونيسيا وباكستان وفيتنام، مما يعكس رغبة إدارة ترامب في بناء تحالف عابر للقارات بعيداً عن الهياكل التقليدية.
في المقابل، برزت جبهة معارضة قوية للمجلس تضم قوى دولية كبرى مثل الصين وروسيا اللتين امتنعتا عن التصويت في مجلس الأمن، معتبرتين أن المبادرة تهمش دور الأمم المتحدة. كما رفضت دول أوروبية رئيسية مثل فرنسا وألمانيا والسويد الانضمام، بالإضافة إلى قوى ‘الجنوب العالمي’ مثل البرازيل وجنوب أفريقيا والمكسيك التي انتقدت غياب الفلسطينيين عن المجلس.
ويعد الغياب الفلسطيني النقطة الأكثر إثارة للجدل، حيث لم يتم إشراك أي ممثل عن الشعب الفلسطيني في المجلس المكلف بإدارة شؤونهم الإنسانية والسياسية.
ومن المقرر أن يناقش اجتماع واشنطن اليوم جمع دفعة أولى بقيمة 5 مليارات دولار لصندوق إعادة إعمار غزة، وهو الصندوق الذي سيخضع لإشراف المجلس بشكل حصري. وتهدف هذه الأموال إلى البدء في عمليات الإغاثة وتوفير مساكن مؤقتة لأكثر من مليون نازح ينتظرون العودة إلى مناطقهم الأصلية التي دمرتها الحرب.
وتواجه طموحات المجلس تحديات ميدانية كبرى، حيث تفيد تقارير بأن الاحتلال الإسرائيلي لم ينفذ حتى الآن 80% من بنود المرحلة الأولى لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر الماضي. كما ترفض سلطات الاحتلال السماح لأعضاء اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة بالوصول إلى الميدان، مما يضعف قدرة أي إدارة انتقالية على العمل بفعالية.
وتتضمن أجندة الاجتماع أيضاً ملف ‘قوة الاستقرار الدولية’، حيث تخطط عدة دول لإرسال آلاف الجنود للمشاركة في حفظ الأمن داخل القطاع. ويهدف هذا التحرك إلى ملء الفراغ الأمني ونزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وهو شرط تضعه إدارة ترامب كجزء أساسي من خطتها لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار طويل الأمد.
ويرى خبراء حقوقيون أن ممارسات المجلس تقترب من ‘المنطق الاستعماري’، حيث يتم تعيين مسؤولين أجانب لإدارة أراضٍ لا يملكون سيادة عليها دون موافقة سكانها الأصليين. وانتقدت منظمات دولية ضم دول ذات سجلات حقوقية متدهورة إلى المجلس، معتبرة أن ذلك يضعف من مصداقية أي جهود تهدف لتحقيق سلام عادل.
وعلى الرغم من الانتقادات، يشارك في اجتماع اليوم ممثلون عن أكثر من 45 دولة بصفة أعضاء أو مراقبين، من بينهم اليابان وكوريا الجنوبية والهند والاتحاد الأوروبي. ويسعى ترامب من خلال هذا الحشد إلى فرض واقع سياسي جديد يتجاوز العقبات الدبلوماسية في نيويورك، ويضع واشنطن في مقعد القيادة المنفردة لملف الشرق الأوسط.
وتطالب أوساط فلسطينية وشعبية في غزة بأن تشمل أي خطة دولية انسحاباً كاملاً للاحتلال من ‘الخط الأصفر’ الذي يسيطر حالياً على نحو 60% من مساحة القطاع. ويحذر مراقبون من أن تجاهل هذه المطالب والاكتفاء بالحلول الأمنية والتمويلية قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع مجدداً، خاصة في ظل استمرار أزمة الجوع والنزوح.
يبقى ‘مجلس السلام’ أمام اختبار حقيقي في قدرته على تحويل الوعود المالية إلى واقع ملموس على الأرض، وفي مدى نجاحه في انتزاع اعتراف شعبي فلسطيني في ظل غياب التمثيل الوطني. ومع بدء الجلسة الأولى، تترقب الأوساط الدولية ما إذا كان هذا المجلس سيصبح بديلاً دائماً للأمم المتحدة أم مجرد أداة لإدارة الأزمة وفق الرؤية الأمريكية.


