أفاد مسؤولون أمريكيون مطّلعون بأن الشكوى السرّية للغاية التي قدّمها مُبلّغ عن مخالفات ضد مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد ترتبط بمحادثة جرى اعتراضها الربيع الماضي بين شخصين أجنبيين تناولا خلالها اسم جاريد كوشنر.
ولم يتسنَّ تحديد جنسية الشخصين أو طبيعة ما دار بينهما بشأن كوشنر. غير أن صلتهما بالاسم تكشف مزيدًا من السياق حول الشكوى التي تعطّلت إداريًا داخل مكتب غابارد لثمانية أشهر، وبقيت محفوظة في خزنة إلى أن وصلت إلى الكونغرس الأسبوع الماضي بنسخة خضعت لحجب واسع.
وقال مسؤولون كبار في إدارة دونالد ترامب إن الادعاءات المتعلقة بكوشنر "غير صحيحة بشكل يمكن إثباته"، لكنهم امتنعوا عن تقديم تفاصيل إضافية بحجة أن ذلك قد يكشف وسيلة مراقبة شديدة الحساسية.
وبحسب مسؤولين أمريكيين آخرين مطّلعين على محتوى المحادثة، فإن الادعاءات، إن ثبتت، ستكون ذات أهمية بالغة. ومع إقرارهم بعدم وجود أدلة داعمة لها، أكدوا أن غياب الأدلة "لا ينفي احتمال أن يكون لها أي أساس".
وكانت وول ستريت جورنال قد ذكرت أن الشكوى استندت إلى محادثة استخبارات أجنبية التقطتها وكالة الأمن القومي الأمريكية، وتناولت شخصًا مقرّبًا من ترامب، وارتبطت جزئيًا بملفات تخص إيران.
ويُعد كوشنر محورًا لبعض أعقد مبادرات الأمن القومي في الإدارة؛ إذ طرح خطة لإعادة إعمار غزة، وشارك المبعوث ستيف ويتكوف في مفاوضات لإنهاء الحرب في أوكرانيا والتعامل مع البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك اجتماع مع مسؤولين إيرانيين الأسبوع الماضي في مسقط.
وكما في الولاية الأولى لترامب حين نسّق محادثات التطبيع بين إسرائيل ودول عربية، يروّج كوشنر لخلفيته الاستثمارية كعنصر قوة في الدبلوماسية، وهو يدير حاليًا صندوق الاستثمار Affinity Partners أفينيتي بارتنرز الذي استقطب استثمارات بمليارات الدولارات من ملكيات عربية، ويشارك طوعًا مع الإدارة دون منصب حكومي رسمي.
ويتعامل مسؤولو الاستخبارات الأمريكية مع مواد الشكوى بأقصى درجات السرية، معتبرين أن كشف التقرير الاستخباراتي الأساسي قد يسبب ضررًا بالغًا بالأمن القومي.
واطّلع عدد محدود من المشرّعين الأسبوع الماضي على نسخة منقّحة بشدة من الشكوى، بعد أن كشفت تقارير صحفية عن وجودها وتعطّلها داخل مكتب غابارد.
وتساءل ديمقراطيون عن سبب التأخير ثمانية أشهر، معتبرين أن الأمر يثير مخاوف أمنية تستدعي مزيدًا من التحقيق، فيما دافع جمهوريون عن غابارد ورأوا أن القضية تُستخدم سياسيًا للنيل من الإدارة.
وتتّهم الشكوى غابارد بتقييد تداول المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالمحادثة لأغراض سياسية.
فبعد وقت قصير من جمع المعلومات العام الماضي، عقدت غابارد اجتماعًا مع رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، وتزعم الشكوى أنها سعت عقب ذلك إلى الحدّ من مشاركة المعلومات.
ووصفت متحدثة باسم غابارد هذه الادعاءات بأنها «لا أساس لها وذات دوافع سياسية»، مشيرة إلى أن القائم بأعمال المفتش العام السابق اعتبر المزاعم غير ذات مصداقية.
وتتضمن الشكوى ادعاءً ثانيًا بأن مكتب المستشار القانوني في وكالة الأمن القومي لم يُبلّغ وزارة العدل عن «جريمة محتملة» أشار إليها محتوى المحادثة، وذلك لأسباب سياسية.
وقال مسؤول رفيع إن موظفًا مهنيًا قرر أن الإحالة غير ضرورية لأن الادعاءات تفتقر إلى الأساس. ولم يحسم مفتش مجتمع الاستخبارات مدى مصداقية هذا الادعاء.
ويرى مطّلعون أن المحادثة قد تكون مجرد معلومات غير مؤكدة أو ربما تضليلًا متعمدًا، إذ يلجأ دبلوماسيون ومسؤولون أجانب أحيانًا إلى تبادل معلومات مضلِّلة إذا اعتقدوا أن جهة استخبارات معادية قد تكون بصدد التنصّت.
وقدّم مفتش مجتمع الاستخبارات كريستوفر فوكس الشكوى شخصيًا الأسبوع الماضي إلى ما يُعرف بـ”عصابة الثمانية” في الكونغرس داخل غرفة مؤمّنة، وفق آلية "الاطلاع والإعادة" التي لا تسمح بالاحتفاظ بنسخ أو تدوين ملاحظات.
وعقب المراجعة، قال السيناتور توم كوتون، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، إن الشكوى “غير ذات مصداقية” وتم التعامل معها بشكل مناسب من جانب غابارد.
في المقابل، قال السيناتور مارك وارنر، كبير الديمقراطيين في اللجنة، إنه لا يستطيع تقييم مصداقية الشكوى بسبب حجم الحجب، مضيفًا: “الشكوى محجوبة إلى درجة يصعب معها الوصول إلى حقيقتها”، ومؤكدًا أنه يضغط للحصول على النسخة غير المحجوبة والتقارير الاستخباراتية الأصلية.
وفي رسالة وجّهها يوم الأربعاء إلى مكتب غابارد، جدّد محامي المُبلّغ أندرو باكاج طلبه تمكين الكونغرس من الاطلاع على الشكوى كاملةً والمواد الاستخباراتية ذات الصلة، معتبرًا أن غابارد "تعرقل عمدًا قدرة موكّله على التواصل المباشر مع لجان الاستخبارات".
وقالت متحدثة باسم غابارد إن إجراءاتها "تندرج بالكامل ضمن صلاحياتها القانونية والتنظيمية".


