لم تكن يوماً مشكلة جديدة أو أزمة فلسطينية مرتبطة بسكان غزة البائسين المحاصرين في أصغر بقعة وأعلاها كثافة على وجه الأرض، لأن مشكلة السفر الذي يعد حقاً مضموناً لكل شعوب الأرض هي مشكلة يواجهها الفلسطينيون في غزة منذ عقود مضت، ومنذ أن قدرت الحدود الجغرافية حُسن الجوار مع الدولة الشقيقة بالجغرافيا والتاريخ وهي مصر، أن يكون معبر رفح أنبوب التنفس الوحيد لأهل القطاع، على اعتبار أن الحدود على ما يُعرف بمعبر إيرز هي حدود جغرافية لأحد أشكال العنف الممارَس ضد أهل القطاع والذين يضطرون لعبور معبر إيرز كأفراد من أجل العلاج في السنوات الأخيرة، وكان العبور منه سابقاً وقبل وصول السلطة الفلسطينية إلى القطاع بقصد الوصول إلى الضفة الغربية والأردن، وأذكر أنني كنت في طفولتي أسافر من خلاله نحو معبر «ألمبي» نحو الأردن لزيارة أخوالي، وكان آخر عهدي بهذا الخروج في صيف العام 1991 .
ظل معبر رفح على عهده كالبوابة الجنوبية الوحيدة التي يخرج منها سكان قطاع غزة، لكن العنف والظلم والذل لم يتوقف، وخصوصاً بعد حدوث الانقلاب في غزة وإلغاء ما يُعرف باتفاقية المعابر المبرمة في العام 2005 التي كانت تنص على أن معبر رفح خاضع للسيادة الفلسطينية، وبإشراف من إسرائيل والاتحاد الأوروبي، لكن بعد حدوث الانقلاب وانسحاب نفوذ السلطة الوطنية الفلسطينية على أهل القطاع، أصبح المعبر تحت سيطرة إسرائيلية خالصة وبإشراف من حكومة غزة، ويشمل إشرافُها جبايةَ الضرائب على متعلقات الأفراد، ووضع آلية للسفر حسب الحاجة، وحيث تولى الأولوية للمرضى والزيارات العائلية من الدرجة الأولى، ناهيك عن دور المعبر في خروج الطلاب الذين يريدون الالتحاق بجامعاتهم وإكمال دراساتهم العليا، وأخيراً وفي السنوات الأخيرة شهد معبر رفح موجة هجرة مقنّعة للشباب باتجاه أوروبا، مروراً بتركيا من خلال رحلة مضنية من المعبر إلى مطار القاهرة مباشرة، وذلك بعد تدنّي الوضع المعيشي في غزة جراء الحصار المفروض على سكانه من إسرائيل، وتضاؤل فرص العمل والعيش الكريم.
تفاقمت أزمة ومعاناة الغزيين مع وقوع حرب الإبادة، وحيث ظل المعبر مفتوحاً ومتاحاً لحركة خروج الفلسطينيين من مرضى ومصابين تحت إشراف إسرائيلي، وذلك خلال الشهور الثمانية الأولى من الحرب وحتى مطلع شهر أيار، وحيث كانت الحركة باتجاه واحد، فيما منعت إسرائيل عودة العالقين في مصر والذين احتجزوا في ظروف صعبة بسبب نفاد أموالهم وانقطاعهم عن أهليهم مع دخول الحرب بكل عنف ودموية إلى القطاع، حتى إذا ما أُغلق المعبر باحتلال إسرائيل الكامل له، فقد أصبحت الأزمة في أوجها مع زيادة عدد الجرحى والمرضى المحتاجين للعلاج في الخارج ومع فقدان السيطرة على الوضع الصحي المنهار في القطاع، وحيث يقدّر اليوم عدد المرضى بما يزيد على 20 ألف مريض على قوائم الانتظار، مع الاتفاق الأخير المضحك والمثير للسخرية وبقيادة ترامب على خروج نحو 50 مريضاً كل يوم بدءاً من مطلع هذا الأسبوع، ما يعني ان مرضى غزة وجرحاها بحاجة لسنوات من الانتظار حتى يحين دورهم للخروج على أمل العلاج، ما لم يلاقِ نصفُهم حتفهم وتتفاقم حالة النصف الآخر، بحيث يصبح السفر بالنسبة لهم غيرَ مُجدٍ على الإطلاق.
بعد إعلان إعادة فتح معبر رفح باتفاق هزيل مؤخراً، فقد لاقى العائدون الويل والهوان بكل صوره وأشكاله، وكأن لسان العدو يقول لهم ما الحاجة للعودة، وهو لا يعرف أن العائدين قد تقطعت بهم السبل ونفدت أموالُهم ولا يوجد بلد في العالم يقبل بتسوية أوضاعهم ومنحهم أي صورة شرعية للإقامة، إضافةً لانفصال العائلات التي خرجت فُرادى او جماعات عن باقي أفرادها، وسعيهم لجمع شملهم رغم علمهم بصعوبة الأوضاع الحالية في غزة ودمار القطاع فعلياً، ولكن التشتت والتمزق العائلي مؤلم، وحيث دام لعامين لدرجة أن إحدى الأمهات قد قالت لي إن طفلها الذي تركته رضيعاً لا يعرفها، وحيث خرجت لعلاج طفلها الأكبر، وهكذا فمعبر رفح هو الصورة الكبرى لذلّ وعذاب أهل غزة، والتي يفلح العالم في تجميلها أمام كذبة إعادة فتحه.


