خطط إسرائيل ونيّاتها المبيّتة في غزة... الدفع نحو انهيار الاتفاق وتكثيف القتال

الخميس 05 فبراير 2026 12:58 م / بتوقيت القدس +2GMT
خطط إسرائيل ونيّاتها المبيّتة في غزة... الدفع نحو انهيار الاتفاق وتكثيف القتال



القدس المحتلة / سما /

لا يمكن تفسير المجازر اليومية في قطاع غزّة، والانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، بعيداً عما يبدو أنه نيات مبيّتة لعودة إسرائيل للقتال المكثّف في إطار حرب الإبادة المستمرة، بحيث تتزايد المؤشرات حولها، من خلال ذرائع تتعلق بنزع سلاح قطاع غزة، والترويج أن قوة حركة حماس تتعاظم وأنها تعيد بناء نفسها، وأخرى تتعلق بحسابات إسرائيلية داخلية.

تمهد إسرائيل لهذا السيناريو، بعدة طرق، منها ما هو ظاهر للعيان، كالحديث المتكرر في تصريحات وتقارير عبرية، عن احتمال القيام بعمليات عسكرية لنزع السلاح، وقصف مواقع في قطاع غزة، والادّعاء أن عناصر في المقاومة الفلسطينية يفتحون النار باتجاه جنود جيش الاحتلال أحياناً، بل ترويج مقاطع فيديو، حول رصد مسلّحين في غزة. كذلك تشير تقارير عبرية في الأيام الأخيرة، إلى أن الجيش الإسرائيلي أعدّ خططه فعلاً لتكثيف العدوان، وذهب بعضها لتحديد مواعيد محتملة لذلك في مارس/ آذار أو إبريل/ نيسان. 

ويوم أمس الأربعاء، تحدث وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس صراحة، عن احتمال استئناف القتال، في إشارة إلى تكثيفه، إذ إن إسرائيل لم تتوقف أصلاً عن القتل، وتعهد باستكمال نزع سلاح حماس، موضحاً أنّ إسرائيل مصمّمة على استكمال تفكيك حماس من سلاحها الآن، بعد أن أُعيد جميع الأسرى (وكان آخرهم في 26 يناير/ كانون الثاني 2026). وتتقاطع تصريحاته مع تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي لا يتوقف بدوره عن التهديد والوعيد. كذلك يطالب مسؤولون في إسرائيل بتجريد حماس من سلاحها خلال شهرين، أي حتى إبريل/ نيسان المقبل في أقصى حد، شرطاً لبدء عمليات الإعمار.

ونشر جيش الاحتلال الإسرائيلي، في الأيام الأخيرة، مقاطع فيديو عملياتية، زاعماً أن من يظهرون فيها عناصر من حماس يتحركون في الأسابيع الأخيرة بين مدارس ومواقع تابعة للحركة في غزة، وهم داخل سيارات إسعاف. وقدّر جيش الاحتلال أن هذه "الخروقات"، كما يصفها، ستستمر رغم الهجمات الكبيرة التي ينفذها. وتقرأ أواسط إسرائيلية، الترويج لمثل هذه الفيديوهات، على أنها جزء من محاولة إعادة بناء "الشرعية" لعملية عسكرية اسرائيلية واسعة في القطاع. وذهب تقرير في صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية، اليوم الخميس، للإشارة إلى أن جيش الاحتلال يُكثّف خلف الكواليس الاستعدادات لاستئناف القتال، بالتزامن مع الموعد النهائي الذي حُدِّد لحماس لبدء تفكيك سلاحها الشهر المقبل. ويلتقي هذا التوجّه التصعيدي مع تقرير نُشر في صحيفة هآرتس العبرية قبل أيام، تحدّث عن تعويل إسرائيل على انهيار اتفاق وقف إطلاق النار.    

اختلاق الأحداث الأمنية.. ذريعة إسرائيلية لاستمرار التصعيد في غزة

ووفق التفاصيل في صحيفة يديعوت أحرونوت، تتزايد المؤشرات على استئناف القتال في قطاع غزة، وربما خلال الأشهر القريبة المقبلة، بطريقة قد تؤدي إلى تجنيد واسع لقوات الاحتياط، فيما يواصل الجيش التحقيق في إصابة ضابط بإطلاق نار أمس الأربعاء شرقي مدينة غزة، ويزعم في تقديراته أن حماس ستواصل محاولاتها لاستهداف الجنود.

وقبل نحو أسبوعين، نشرت ذات الصحيفة، أن جيش الاحتلال يتّخذ خطوات عملية للاستعداد لاحتمال استئناف القتال، مضيفة أن من المحتمل أن تصبح العمليات العسكرية واقعاً متكرراً في السنوات المقبلة بهدف إضعاف حماس التي "تتعافى"، وذلك بناءً على الافتراض أنها لن تسلّم أسلحتها فعلياً، ولن تسمح بتدمير أنفاقها العديدة. وفي السياق، حذّر مسؤولون في جهاز الأمن العام الاسرائيلي (الشاباك)، خلال نقاشات مغلقة مع المستوى السياسي في الشهر الأخير، من أن حماس تتعافى عسكرياً أيضاً، زاعمين أنّها تعمل على إنتاج صواريخ ووسائل قتالية أخرى، وبخاصة عدد كبير من العبوات الناسفة، وحرصت على استبدال قادتها الذين أُصيبوا أو قتلتهم اسرائيل، وصولاً إلى مستوى قادة الألوية.  

انهيار الاتفاق

وقبل بضعة أيام، كتب المحلل العسكري في صحيفة هآرتس، عاموس هارئيل، أن سياسة حكومة إسرائيل في قطاع غزة، تعتمد حالياً على أمل واحد، هو أن ينهار خلال الأشهر القريبة المقبلة المسار الذي تقوده الولايات المتحدة لإرساء واقع أمني وسياسي جديد في القطاع. وعندما يحدث ذلك، قد يمنح الرئيس الأميركي دونالد ترامب الضوء الأخضر لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لمحاولة إعادة احتلال القطاع. ويأمل اليمين هذه المرة، بحسب التفاصيل التي أوردتها الصحيفة، أن يجرّد الجيش الإسرائيلي فعلاً حماس من سلاحها، وأن تُمهَّد الطريق نحو "النصر المطلق"، لكن نتنياهو سيختار خطوة كهذه فقط إذا كانت تخدم هدفه المركزي، وهو البقاء في السلطة والفوز في الانتخابات. ولفتت الصحيفة أيضاً، إلى أن الجيش الإسرائيلي أعدّ خططاً عملياتية لاحتلال القطاع في حال انهيار الاتفاق. 

دفع السكان إلى النزوح

ويبدو أن الاحتلال لم يكتفِ بعدد المرات التي أجبر فيها سكان غزة على النزوح من مكان إلى آخر، خلال عامين من حرب الإبادة، إذ تشمل خططه الجديدة سيناريوهات لدفع الغزيين إلى النزوح من جديد، وهذه المرة ضمن مساحات أصغر. فقد أعدّ الجيش الإسرائيلي، وفق تقرير "يديعوت أحرونوت" اليوم، خطة جديدة "لإجلاء السكان" بهدف إتاحة تنفيذ عملية برية واسعة هذا العام، إن اختارت إسرائيل ذلك. وأضاف التقرير أن الحديث ليس عن نقل السكان إلى الجانب الخاضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي من الخط الأصفر، كما نصّت خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمستقبل غزة، بعد أن عاد السكان وانتشروا مجدداً في جميع مناطق القطاع الخاضعة لسيطرة حماس، بل يدور الحديث عن عمليات نقل للسكان داخل المنطقة الغزّية (أي الموجودة تحت السيطرة الفلسطينية) الواقعة ضمن الخط الأصفر، ما يعني نحو نصف مساحة قطاع غزة.

"الوضع الرمادي" يرهق أهالي غزة: معاناة وموت بطيء

ولدى جيش الاحتلال منطقتان مركزيتان لم يناور فيهما خلال الحرب الطويلة، وفقاً لذات التقرير، يزعم الاحتلال أنه تركّز فيهما حتى اليوم الآلاف من عناصر حماس، ومنهما تطوّر النشاط العسكري للحركة من جديد، في إشارة إلى مخيم اللاجئين النصيرات ومدينة دير البلح في وسط القطاع، حيث لا تزال هناك كتيبتان تابعتان لحماس، وفق المزاعم الإسرائيلية، وكذلك منطقة المواصي الساحلية جنوباً، حيث تجمّع في ذروة الحرب أكثر من مليون نازح غزّي في ظروف اكتظاظ شديد. وتهدف عملية برية تدريجية من هذا النوع، إلى إلحاق ضرر كبير، هذه المرة دون ضوابط تتعلق باحتمال وجود أسرى إسرائيليين، مثلما كان الحال عليه في فترات سابقة قبل استعادة إسرائيل جميع أسراها.

ومن الناحية السياسية، فإن استئناف القتال إذا حدث في مارس/ آذار أو إبريل/ نيسان، سيكون أكثر ملاءمة لحكومة الاحتلال، بعد المصادقة النهائية على الموازنة العامة في الكنيست، ما قد يضمن استمرارها رغم بعض الخلافات الداخلية، ولا يكون سيف الانتخابات مصلتاً على رقبة الائتلاف الحكومي. ومن هذه الزاوية، تتزايد تدريجياً مؤشرات الانتقاد والضغط داخل اليمين، بشأن الخطوات الإسرائيلية "المقيّدة" باتفاق مع حماس، التي لا تؤدي إلا إلى تقوية الحركة، وفق المزاعم الإسرائيلية، خصوصاً من خلال إدخال 4200 شاحنة إمدادات إلى غزة كل أسبوع، التي تدّعي إسرائيل أن حماس تستغلها لتعزيز سلطتها.