ما هي السيادة الوطنية؟ عامر بدران

الأحد 11 يناير 2026 01:49 م / بتوقيت القدس +2GMT



لعل أكثر اعتراض يثير الاستغراب في عالم اليوم هو ذاك المنطلق من مفهوم السيادة الوطنية للدول والكيانات السياسية، وبالتالي من تحريم انتهاكها من قبل دول أكثر قوة وسيطرة، باعتبار هذه السيادة مفهوماً مقدساً لا ينبغي المساس به، استناداً إلى القوانين الدولية وشرائع الأمم المتحدة.

يمكننا بالتأكيد الاعتراض على اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو؛ باعتبار هذا الاعتقال يندرج تحت البلطجة السياسية للدولة القوية، أو اعتباره حرباً على مصادر الطاقة، أو تنافساً على أدوات النفوذ، أو ما شئت من مفاهيم واعتبارات سياسية واقتصادية. أما فكرة الاعتداء على السيادة الوطنية لفنزويلا كدولة، فهي بحاجة لكثير من البراهين لكي تكون مقنعة أو قابلة للهضم.
يجوز ذلك أيضاً على التعاطي مع ما يحدث في إيران مؤخراً من تظاهرات واضطرابات، وتهديد ترامب بالتدخل فيما لو تم الاعتداء على المتظاهرين، واعتبار هذا التدخل، حتى اللفظي منه، اعتداءً على الجمهورية الإيرانية كدولة مستقلة ذات سيادة، تتمتع باعتراف العالم واتفاق جيرانها ومكوناتها الداخلية على هذه السيادة.
غير أن هذا التعاطي، على الرغم من انسجامه مع الخطاب التاريخي للنخب السياسية، وتحديداً اليسارية منها، يطرح إشكالية فكرية عميقة تتعلق بطبيعة مفهوم السيادة الوطنية ذاته: هل ما زالت السيادة تُفهم اليوم بالمعنى الذي تشكّل في صورته النهائية، وتم الاتفاق على عناصره في القرن العشرين أم أن الدفاع عنها يصبح، شيئاً فشيئاً، أقرب إلى موقف رمزي وأيديولوجي، أو إلى تكرار لمصطلحات تبدو في ظاهرها متماسكة، لكنها تصطدم بمعطيات الواقع المتغير مع أول اختبار، ثم تفقد معناها؟
ولكي نستطيع الإجابة عن هذا السؤال، علينا أن نعرف ما هي السيادة الوطنية التي يدور الحديث عنها مع كل احتجاج على تصرفات الولايات المتحدة الحالية، أي في عهد ترامب، والتي تتميز بانفلات قلّ نظيره إلا في عصور غزو الجماعات البشرية بعضها لبعض، من أجل الماء والكلأ، أو من أجل إعلاء كلمة هذا الإله أو ذاك.
لقد كانت السيادة، منذ «صلح وستفاليا» في أواسط القرن السابع عشر، تعني امتلاك الدولة (أو الإمبراطورية آنذاك) سلطة عليا ومطلقة داخل حدودها الجغرافية، وعدم خضوعها لأي قوة خارجية في شؤونها الداخلية. أما في دول العالم الثالث، مثل فنزويلا وإيران، والدول العربية، التي يخرج من نُخبها هذا الخطاب الاحتجاجي بكثرة لافتة، فقد تشكّل مفهوم السيادة الوطنية في مرحلة ما بعد الاستعمار، حين كانت الدولة الوطنية تُبنى في مواجهة الخارج، وكان الصراع مع الإمبريالية هو المحدد الأساسي للخطاب السياسي.
أقصد أن هذا المفهوم نشأ وتشكل في سياق تاريخي خاص، مرتبط بتجارب التحرر من الاستعمار الأوروبي، وبناء الدولة الوطنية، ومواجهة التدخل الخارجي، وبالتالي فإن السيادة الوطنية كانت تفرض استعادة الأرض، وبناء جيش وطني، والتحكم في الموارد، وامتلاك القرار السياسي، والدفاع عن الحدود والثقافة والمجتمع. من هي الجهة المخوّلة بكل هذا؟ إنها السلطة السياسية أولاً وأخيراً، والتي كانت تقوم، عن حق أو بتجاوز فاضح، باختطاف مؤسسة الدولة أو التماهي معها.
هذا هو المفهوم الكلاسيكي للسيادة الوطنية، والذي كان سائداً حتى دخول العالم في عصر العولمة، لحظة انهيار جدار برلين عام 1989 كنقطة مفصلية في التاريخ الحديث، حيث بدأت الضربات المتتالية تقلل من قدسية هذا المفهوم. ومع دخول العالم في عصر التكنولوجيا ازدادت هذه الضربات، ما أفقد السيادة الوطنية الكثير من عناصرها وقدرتها على الصمود، وبالتالي فقد ازدادت أهمية إعادة تعريفها انطلاقاً من المعطيات العالمية الحديثة، والتي فرضها هذا العصر.
لقد أسهمت العولمة في تقليص المسافات بين الدول، وفتحت الأسواق، وحرّرت حركة رؤوس الأموال والمعلومات، ما أضعف قدرة الدولة على التحكم الكامل في اقتصادها وحدودها. ومع دخول العالم عصر التكنولوجيا، أصبحت المعرفة عاملاً حاسماً في إعادة صياغة مفهوم السيادة، إذ لم تعد القوة المخوّلة بالدفاع عن سيادة الدول تُقاس بالموارد، سواء الطبيعية أو العسكرية، ولا بقدرة الجيش الوطني على حماية حدوده، وإنما بامتلاك الدولة للتقنيات المتقدمة، وقدرتها على التعامل مع العالم ومع العلم بلغتهما، ولا نريد الإسهاب أكثر والقول إن الدولة لم تعد هي الفاعل الوحيد في هذه المعادلة، فهذا يدخل في مجال تنظير آخر.
ولو أخذنا أي دولة كمثال، سواء كانت إيران أو فنزويلا أو إحدى دولنا العربية، وأخضعناها إلى معايير السيادة الوطنية، بمفهومها الكلاسيكي أو حتى بأي مفهوم يحفظ خصوصية الدولة وأمنها واقتصادها، وبالتالي تماسكها كوحدة سياسية مستقلة، فإننا نجد التالي:
هذه الدول تواجه تحديات متزايدة تتعلق بحماية بيانات مواطنيها، والسيطرة على بنيتها التحتية الرقمية، وضمان أمنها السيبراني. ومع هيمنة الشركات التكنولوجية الكبرى على الفضاء الرقمي فيها، فإنها تخضع بعلمها أو من دونه، لقوانين غير مكتوبة تفرضها هذه الشركات، ما يحد من قدرتها على فرض تشريعاتها الوطنية.
على المستوى الاقتصادي لا يقل الأمر سوءاً، حيث إن العودة سنوات قليلة إلى الوراء، أي إلى عهد جائحة كورونا، تُبين لنا الاعتماد المفرط على الخارج، والتأثر المفرط بهشاشة سلاسل التوريد العالمية. إضافة إلى ذلك لا بد من ذكر الاعتماد الكامل في أي نظام مصرفي لهذه الدول على منظومة مالية عالمية لا يمكن تجاوزها ولا التحكم فيها إلا إن كنت قوياً وندّاً لها، ما يعني أن فكرة الاستقلال الاقتصادي أو السيادة الاقتصادية لأي دولة هي نوع من العبث.
السيادة الثقافية هي أيضاً محل تساؤل، خاصة في ظل التدفق الهائل للمعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية، ما يؤدي إلى حالة سهلة من زعزعة الاستقرار الداخلي لأي دولة، دون الاضطرار إلى مهاجمتها عسكرياً. ناهيك عن البعد الأمني الذي صار جزءاً من هذه الثقافة التكنولوجية أو يسير بالتوازي معها مثل الهجمات السيبرانية، والتجسس الإلكتروني، والمراقبة عن بُعد، واختراق البنى التحتية الحيوية لأي دولة.
أما السيادة السياسية والقانونية في ظل الشرعية الدولية وتحت مظلة الاتفاقيات بين الدول، وحتى مع وجود منظمات المجتمع المدني الممولة خارجياً والخاضعة في سياساتها وبرامج عملها لسياسات الممول، فلا داعي للحديث عنها (أقصد السيادة السياسية) لأن كل صاحب منطق عادل بإمكانه امتحانها أو وضعها على المحك.
النتيجة أن هذه الدول تعيش مستويات متفاوتة من الارتهان الاقتصادي، والتبعية التكنولوجية، والاختراق الأمني، والتأثير السياسي الخارجي، وأن مفهوم السيادة الوطنية فيها لم يعد إلا يافطة يتم رفعها من قِبل السلطة الحاكمة، حين يتعلق الأمر بحقوق مواطنيها، وكأن هذه الحقوق مؤامرة خارجية.