لم تعد المأساة الفلسطينية محصورة في حجم الدمار أو عدد الضحايا، بل باتت تتجلى بصورة أعمق في انسداد الأفق السياسي، وفي العجز عن تخيل مسار مختلف وسط حرب إبادة جماعية مكتملة الأركان، تستهدف الإنسان والمكان والرواية، وتوازيها عملية تقويض ممنهجة لما تبقى من بنية السلطة الفلسطينية، في مسعى إسرائيلي صار فاضحًا، يهدف إلى دفع السلطة ذاتها لإعلان حلها وتفكيك مؤسساتها بيدها.
في قلب هذا المشهد القاتم، يتسرب شعور واسع بالعجز، تغذيه فجوة هائلة في موازين القوى، وإدراك متزايد بأن الفلسطينيين لا يواجهون إسرائيل وحدها، بل حربًا تقودها الولايات المتحدة، تستخدم فيها إسرائيل أداةً متقدمة، فالدعم الأمريكي العسكري والاقتصادي والسياسي هو ما منح السياسات الإسرائيلية قدرتها على الاستمرار، بل وعلى التوحش، دون خوف من محاسبة أو عزلة.
غير أن الأخطر من حجم التحديات ذاتها، هو طريقة التفكير في مواجهتها.
فخلال السنوات الأخيرة، سادت مقاربات جرى تقديمها باسم "الواقعية السياسية"، لكنها في كثير من الأحيان انزلقت إلى ما يمكن وصفه بـ "الوقوعية"، والفرق بين المفهومين جوهري.
"الواقعية"، كما يُفترض، هي منهج عقلاني عملي، يقوم على فهم عميق للمعطيات، وحساب دقيق لموازين القوة والضعف، ويهدف إلى تحويل الخسائر إلى فرص نسبية، واستثمار الممكن – مهما بدا ضيقًا – من أجل صناعة مكاسب تدريجية، أو على الأقل فتح مساحات للمناورة.
أما "الوقوعية"، فهي الاكتفاء برد الفعل، والالتصاق بما هو ممكن للحظة، مع تبرير محدودية الفعل عبر سرديات مألوفة: ضيق الهامش، غياب البدائل، الخشية من ردود الفعل الدولية، أو التحذير من أن أي خطوة إيجابية – ولو محدودة – قد تُفسر بوصفها تحديًا غير محسوب.
لم تكن "الواقعية" يومًا دعوة إلى تسويق الاستسلام، ولا إلى الادعاء بأن الهامش المتاح لا يسمح حتى بالمناورة؛ "الواقعية" الحقيقية وُجدت لتوسيع الممكن، لا لتقديس القيود.
من هنا تبرز الحاجة إلى إعادة بناء طريقة تفكيرنا: ليس مجرد شعار "التفكير خارج الصندوق"، بل إعادة هندسة الصندوق نفسه – أدوات التفكير، ومسارات التحليل، وأفق التخيل السياسي، فالخيال السياسي ليس ترفًا فكريًا، بل شرط ضروري للفعل الواعي.
"الخيال السياسي" هو القدرة على رؤية ما لا يتيحه الواقع المباشر، دون إنكاره، هو المسافة التي تفصل بين الإدراك والشلل، به انطلقت الثورات، ونشأت الحضارات، ونهضت أمم من تحت الركام، وبه استطاعت شعوب عديدة من كسر معادلات بدت يومًا أبدية، وقدمت أمثلة حية على معنى "الخيال السياسي" في مواجهة اختلال موازين القوى.
فقد واجه شعب جنوب أفريقيا نظام فصل عنصري قائم على التفوق القسري والإقصاء القانوني، مدعومًا ضمنيًا من عوامل دولية، فاستطاع عبر مقاربات مدروسة تحويل نقاط الضعف إلى مصادر قوة، ونقل المواجهة إلى الفضاء الأخلاقي والقانوني والدولي.
وبالموازاة، خاض شعب الهند تجربة فريدة في مواجهة احتلال إمبراطوري بريطاني، تفوق عسكريًا واقتصاديًا بشكل هائل؛ ومع ذلك، تخيل التحرر من دون مواجهة عسكرية مباشرة، عبر العصيان المدني وحملات اللاعنف المنظمة، وهو ما بدا في حينه ضربًا من “الخيال السياسي” الخلاق.
كما تُظهر تجربة ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية كيف يمكن لشعوب أنهكتها الحرب، وتعرضت للهزيمة العسكرية والأخلاقية والسياسية، أن تعيد بناء نفسها، وتحول الدمار إلى فرصة للنهوض والتجدد، مستفيدة من تصور سياسي واعٍ ومخطط مدروس.
وهنا يصبح التمييز ضروريًا: الدعوة إلى "الخيال السياسي" لا تعني رفض "الواقعية"، ولا إنكار حسابات القوة، ولا تبريراً للمغامرة غير المحسوب، كما أنها لا تمثل شحنًا معنويًا أجوف أو تعبئة خطابية تنتهي إلى كوارث ما زالت آثارها مفتوحة كما شهدنا في السابع من أكتوبر وما تلاه من أثمان فادحة ما زال الشعب الفلسطيني يدفعها حتى اليوم.
"الخيال السياسي" هو الضابط بين الوهم والاستسلام؛ تفكير في الممكن غير المرئي بعد، دون قفز إلى المستحيل، أو ارتهان لما هو مفروض لنبقى ندور داخل حلقة العجز نفسها، نُعيد إنتاج الخسارة بأسماء مختلفة؛ أما استعادته، فهي الخطوة الأولى – وربما الأصعب – نحو كسر هذا الانسداد، وفتح ثغرة في جدار يبدو صلدًا .. لكنه ليس أبديًا.
في هذه المرحلة، لم يعد التحدي مجرد البقاء، بل القدرة على تنظيم الصفوف وصياغة أفق سياسي يمكن من الحركة والتجدد.
لم يعد كافيًا إدارة الأزمة، فيما الأزمة نفسها تعيد تشكيل المفاهيم، والأدوار، والوظائف، وحتى تعريف السياسة بوصفها أداة لحماية الوجود، لا مجرد تنظيم للخسارة.
آن الأوان للانتقال من منطق التكيف مع الانسداد، إلى البحث عن ثغرات فيه، ومن الاكتفاء بتجنب الأسوأ، إلى صياغة مشروع وطني يجمع الإرادة ويضمن الالتزام، بحيث يكون قادرًا على التجدد والتكيف مع تحديات الواقع.
في هذا المعنى، يصبح "الخيال السياسي" معيارًا ضرورياً لفهم اللحظة، لا ترفًا نظريًا؛ ومدخلًا لإعادة فتح الأفق، لا وصفة جاهزة للحلول؛ وطريقًا وسطًا بين وقوعية تُجمد الفعل، ومغامرة تُراكم الخسارة.
هكذا فقط يمكن للسياسة أن تستعيد معناها، في زمن يريد لنا أن نبقى أحياء، ولكن بلا أفق.


