خبر : لتجلب غزة الى القاهرة/بقلم: عميرة هاس/هآرتس 4/1/2010

الجمعة 08 يناير 2010 02:11 م / بتوقيت القدس +2GMT
لتجلب غزة الى القاهرة/بقلم: عميرة هاس/هآرتس 4/1/2010



 الخروج من شارع رمسيس في القاهرة على متن عشرين حافلة تحدد ليوم الاثنين صباحا الثامن والعشرين من كانون الاول. ولكن منظمي "مسيرة الحرية في غزة" عرفوا قبل ذلك بيوم بأن الباصات لن تأتي كما لم تصل الباصات التي تم حجزها بصورة منفصلة من قبل نشطاء فرنسيين الى نقطة انطلاقها في القاهرة في يوم الاحد: شارع شارل ديغول بجانب السفارة الفرنسية مقابل حديقة الحيوانات. رغم الوعود (التي لم تكن قاطعة ابدا) بان السلطات المصرية ستسمح للمشاركين بالدخول الى غزة عبر معبر رفح في الاسبوع الذي سبق موعد المسيرة 31 كانون الاول – اوضحت وزارة الخارجية المصرية بأن الدخول الى القطاع لن يكون مسموحا. حتى السفن فوق النيل اختفت بصورة مدهشة في يوم الاحد مساء: السلطات المصرية عرفت ان عشرات النشطاء قد خططوا للابحار عبر النهر واشعال الشموع لاحياء مرور عام على هجمة غزة واحياء ذكرى القتلى. 1361 شخصا من 43 دولة (700 من الولايات المتحدة وحدها) الذين سجلوا للمشاركة في مسيرة الحرية في غزة جاؤوا للقاهرة – وهو عدد اكبر بكثير من المتوقع. الامر بدأ كمبادرة من عدة اشخاص انضمت اليها منظمة السلام النسوية الامريكية كود بينك ورويدا رويدا اتسعت لتشمل اقطارا اخرى من دون صلة بالقافلة التي بادر اليها عضو البرلمان البريطاني جورج غلوي. وجع الرأس المصري "ان كان من المحظور علينا ان نسافر الى غزة، فسنجلب غزة الى القاهرة" قال ناشط سلام امريكي واحد. طوال اسبوع كامل اصطف اكثر من الف مواطن اجنبي واغلبيتهم الحاسمة من الدول الغربية في العاصمة المصرية باحثين عن سبل وأماكن للتظاهر فيها ضد الحصار المتواصل على غزة. "التظاهرات في القاهرة هي البرهان الاكيد على ان اسرائيل قد ضغطت على مصر حتى لا تسمح بدخولهم الى غزة. قدرت مواطنة مصرية (وهي مثل مصريين اخرين لم تتجرأ على المشاركة في المظاهرات لانها خشيت من ان تكشف وتتعرض للعقاب). "لماذا تحتاج مصر وجع الرأس هذا؟ كان من الاسهل والابسط لها ارسال الجميع الى غزة ونسيان امرهم". في ظل عدم وجود باصات أقام النشطاء الفرنسيون خياما وفتحوا أكياس النوم على الارصفة على امتداد رصيف السفارة. في الساعة الثانية ليلا اكتشفوا ان مخيمهم محاط بجدار وستار قوي من عناصر  الشرطة المدربين على تفريق المظاهرات. خيام وحاجز شرطي وحظر بالتحرك والتجوال ومنطقة محاصرة: من دون ان يقصدوا نقلوا الوضع الغزاوي بالتفصيل والفلسطيني عموما الى القاهرة. التواجد في ظروف الحصار تحول الى هدف وتحد. خلال اليومين – الثلاثة التالية عناصر الشرطة المحيطة اخذت في الازدياد: من رتل واحد الى 3 ارتال. رجال أمن مصريين ذوي مراتب عالية تجولوا في عصبية من نقطة الى اخرى. تارة يبتسمون وتارة اخرى يحاولون منع مصور من التقاط صور وتارة يحثون المتواجدين على مغادرة المكان ويسمحون بالخروج من الرصيف المحاصر ودائما يسمحون لاحد ما بأن يجلب قهوة او فواكه او بيتسا او التوجه للمراحيض وغسل وجهه في الفندق المجاور. بين النشطاء وبين عناصر الشرطة المحيطين من حولهم طوال ثماني ساعات من دون التزحزح عقدت علاقة وصلة: هنا وهناك تم تهريب سيجارة لاحد منهم او ماء. خلال كل عدة ساعات كان النشطاء يتشاورن حول كيفية المواصلة. هذه كانت ديمقراطية مباشرة في حراك من دون اسرار ومن دون اوامر من الاعلى ومن دون عملية تأهب واستعداد. عملية مشابهة جرت عند باقي المجموعات التي توزعت بين فندقين مختلفين في القاهرة في تلك الايام. بعضهم اكتشف ان الطوق البوليسي يصعب الخروج من الفندق ويضع العراقيل. وبعضهم تمركز قبالة سفاراتهم – واحيطوا على الفور برجال شرطة لتفريق المظاهرات. الاكثر عنفا كانوا اولئك الذين وضعوا قبالة السفارة الامريكية. من المسؤول عن الحصار مجموعة كبيرة واحدة تموقعت في المنطقة الواقعة تحت المبنى الذي تقع فيه مكاتب وكالات التنمية التابعة للامم المتحدة الـ UNDP. "من خلال وجودنا هنا نقول باننا لا نلقي بالمسؤولة على مصر. المسؤولية عن الحصار الاسرائيلي عديم الخجل على غزة ملقاة على دولنا" اوضح احد المنظمين وكأنه يسوق ردا على الادعاء الذي يردده بالاساس انصار م.ت.ف والسلطة في رام الله: بتشجيع من حماس الضغط الشعبي الدولي وخصوصا العربي يوجه للعنوان غير الصحيح – مصر بدلا من اسرائيل. عدد من المنظمين قالوا بأنهم قد لمسوا ان قادة حماس عموما ليسوا معنيين بالتظاهر في ايرز وانما فقط قبالة معبر رفح ضد مصر. الحلم كان تنظيم مسيرة من عشرات الالاف باتجاه حاجز بيت حانون – ايرز في الذكرى السنوية لهجمة الجيش الاسرائيلي على غزة ومطالبة اسرائيل والعالم برفع الحصار. من سجلوا اسمهم للمسيرة هم جمهور متنوع جدا: بعضهم من نشطاء اليسار منذ عشرات السنين والاخرون انضموا للنشاط فقط في ايام الهجمة على غزة وما زال وعيهم السياسي في مهده. وهناك من زاروا البلاد مرات كثيرة والبعض الاخر لم يطأها ابدا. طلاب ومتقاعدون محاضرون من الجامعات شبان ومتقدمون في السن. بين المتقدمات في السن كانت هيدي ايفشتاين 85 عاما مواطنة امريكية من مواليد المانيا كانت قد ارسلت في الرابعة عشرة من عمرها الى انجلترا وبذلك نجت من النازية. اهلها قضوا نحبهم في معسكر الاعتقال في اوشفيتس. هي جلست على مقعد في الساحة تحت المبنى الذي تتواجد فيه مكاتب وكالة التنمية التابعة للامم المتحدة وانضمت الى المضربين عن الطعام الذين يحتجون على حظر الدخول الى غزة. من حولها احتفل الجميلون في الخمسينيات والستينيات من عمرهم من طليان وانشدوا "بيلا تشاو" نشطاء جنوب افريقيين رفعوا لافتات خاصة بهم تدعوا الى معاقبة اسرائيل وتقتبس مقولات نيلسون مانديلا الذي قال: "حريتنا ليست مكتملة من دون حرية الفلسطينيين" . الام اليهودية في اثر ابنها انا اشعر انني بهذا النشاط افعل شيئا من اجل اسرائيل ومستقبل آخر لها. قال شاب ملتح من بوسطن. هو يتطوع في قرية فلسطينية في الضفة. امه يهودية مثله رافقته ذات يوم في رحلة للبلاد حتى تتعرف على حياته الجديدة. اسمه كان موضوعا على قائمة بوليس الحدود وتم تأخير الاثنين طوال 8 ساعات لاجراء تحقيقات ومساءلات مختلفة. "هي خرجت من هناك راديكالية" ضحك الشاب الذي اكتشف قبل سنة ونصف الحوار البديل حول الواقع في "وطنه الثاني". "ربما توضحين لي" سأل المخرج الوثائقي من فينزويلا الذي ارسل لتوثيق الحملة الى غزة، "كيف يحدث انني اجري مقابلات مع الكثيرين من المشاركين بصورة عفوية فاكتشف ان 80 في المائة منهم يهودا؟". 80 في المائة هي في الواقع مبالغة الا ان الانطباع ان الاسهام النسبي لليهود كبير – صحيح. في هذا الجمهور المتنوع كان هناك فلسطينيون من مواطني الدول الغربية وعدد من الغزاويين الذين كانت بالنسبة لهم هذه فرصة اولى لرؤية ابناء عائلاتهم. كان هناك ايضا مسيحيون متزمتون وعدد من المسلمات والمسلمين العقائديين. هنا وهناك خرجت على لسان بعض المتظاهرين شعارات كبيرة مثل: نحن آتون لتحرير غزة. ولكن في اخر المطاف كان هذا النسيج المتنوع عبارة عن غوغاء كفاحية وكفاح نسوي ونظريات للتحرير والكثير من الثقة بالتأثير الايجابي المتراكم للخطوات الاحتجاجية الشعبية وليس الهيكلية والقدرة على احداث التغيير. خسارة قلت لنفسي: حظر الحركة المصري يمنعنا من مشاهدة كيفية التقاء هذه الديمقراطية المباشرة الشفافة مع حكم حماس. في الثانية مساء في التاسع والعشرين من كانون الاول علم بأنه قد سمح لمائة من النشطاء بالدخول الى غزة كاستجابة لمطلب سوزان مبارك. كان هناك من ايد الاقتراح واعتبره تنازلا مصريا. وكان هناك من اعتبره محاولة لكسر وحدة الصف بين المتظاهرين وتخفيف الضغوط الممارسة على مصر. الامريكيون مالوا لقبول الاقتراح والاوروبيون عارضوه. في اخر المطاف خرج في يوم الاربعاء 30 من كانون الاول 80 شخصا على متن حافلتين بما فيهم عدد من الصحفيين وانا من بينهم من الذين لم تمسهم المعضلة. اشبه برومانيا تشاوشيسكو في منتصف الليل بعد 12 ساعة من الانطلاق من القاهرة وصلنا الى غزة حيث الفندق، هناك انتظرتنا المفاجأة الاولى: رجل أمن حمساوي بلباس مدني مع كوفية حمراء على رقبته تكلم مع صديق جاء لرؤيتي واعلمه بأنه من المحظور علي ان انام في بيته. ناطق بلسان الحكومة اوضح عبر الهاتف ان هذا ليس ضدك. قبل شهر قررت الحكومة عدم نوم الضيوف في منازل خاصة وانما في الفنادق فقط. في رومانيا تشاوشيسكو كان هناك حظر كهذا فهل هذا قرار دائم ام انه امر تستوجبه الساعة؟ الخلفية اتضحت تدريجيا: الجانب الغزاوي كان من المفترض ان ينظم المسيرة نشطاء المجتمع المدني من المنظمات غير الحكومة المختلفة بالتنسيق مع اللجنة الشعبية لكسر الحصار التي هي تنظيم شبه رسمي ملحق بحماس. الكثيرون من نشطاء مجموعات الدعم الاوروبية يملكون صلات مديدة السنين مع منظمات اليسار في القطاع. في هذه المنظمات خصوصا الجبهة الشعبية الكبيرة نسبيا استعدوا قبل الموعد لاسكان عدد من عدة مئات من المواطنين الضيوف في منازلهم. عندما سمعت حكومة حماس بذلك قررت حظر النوم في المنازل الخاصة لاسباب أمنية  وكيف لا. الاسباب الامنية على ما يبدو دفعت النشطاء في يوم الخميس صباحا الى الاكتشاف فجأة بأن من المحظور عليهم الخروج من الفندق الى الشارع (الذي تمتلكه حماس بالمناسبة). رجال الامن رافقوا الزيارات التي قام بها عدد من الضيوف الى المنازل والمؤسسات التي يمتلكون صلة معها. خلال المسيرة وعندما سعى الغزاويون للتحدث مع الضيوف ظهر رجال الامن المتجهمين وفصلوا بين المتحادثين وأمروهم بالاصغاء الى المؤتمر الصحفي. "هم لم يرغبوا بان نتحدث مع الاشخاص العاديين" استنتجت احداهن. اختطاف ام تنظيم غير سليم المسيرة لم تكن بالمرة كما حلم المنظمون طوال تسعة اشهر من التحضير. قبل السفر بيوم عرفوا ان المجتمع المدني قد الغى مشاركته. هناك من يقولون ان ممثلي حكومة حماس قد اكتشفوا ان المنظمات الحكومية لا تمتلك خطة واضحة ومنظمة للضيوف الكثيرين ولذلك اضطرت للتدخل وتحديد جدول زمني للاحداث والجولات واللقاءات. نشطاء فلسطينيون مختلفون اعطوا روايات مختلفة بعض الشيء. احدهم ابرز حقيقة انه "عندما سمعنا ان مائة فقط قد أتوا الغينا كل شيء". آخر قال بأن حماس "من البداية طرحت شروطها: ليس اكثر من 5 الاف في المسيرة، عدم الاقتراب من ايرز، عدم الاقتراب من الجدار الفاصل، كيفية القاء الخطاب وما هي مدة الخطاب ومن الذي يلقي الخطاب. باختصار اختطفت حماس زمام المبادرة منا فتنازلنا". هذا كان قبل ان يجري الحديث عن مائة شخص فقط. حماس او اللجنة الشعبية الخاصة بها جلبت 200 او 300 للمسيرة. المسيرة تحولت الى عمل من الطقوس الصرفة الا انها فرصة لوزراء حماس للحصول على تغطية صحفية لا بأس بها مع متظاهرين غربيين. اربعة من اتباع ناطوري كارتا من المواطنين الامريكيين اجتذبوا عدسات الكاميرا. النساء الفلسطينيات لم يكن بين المتظاهرين. هذه تناقض (او صفعة) للهوية النسوية للمنظمات والكثيرين من المشاركات والمشاركين. بعد المسيرة احتج الضيوف امام عدد من المنسقين الفلسطينيين الرسميين. "جئنا للتظاهر ضدالحصار ووجدنا اننا تحت الحصار". تعدديتهم وشفافية سلوكهم لم تتلاءم مع الانضباط العسكري الذي حاول المنظمون الرسميون فرضه. ارخي اللجام حينئذ بعض الشيء. "لقد اخلوا سبيلنا" قلت عبر الهاتف لابناء صديقي الذين ارسلوا والدهم فورا لاخذه من الفندق. رجل أمن اقترب منه هذه المرة ايضا ولكنه لم يمنعني من الدخول الى سيارته. ببيت صديقي ومنازل اخرى حدثني الاشخاص عن ان الخوف الذي شعروا به خلال الهجمة يعود اليهم: يوم السبت ظهرا في الساعة الحادية والنصف – خلال القصف – وقت القصف الجوي الاول – هو حتى اليوم وقت حساس بالنسبة لاطفال كثيرين. حكايات مشابهة ترددت امام مسامع المشاركين في المسيرة عند عائلات اخرى. بعض المشاركين في المسيرة سمح لهم الان بالخروج لوحدهم مع معارفهم الغزاويين الذين كانوا يعرفونهم قبل ذلك عبر الهاتف والبريد الالكتروني. بعضهم خصوصا الناطقين بالعربية من بينهم اشتكوا من ان رجال الامن يلازمونهم في رحلاتهم وتجوالهم لعقد اللقاءات. هم شاهدوا عبر نوافذ الباصات الانقاض التي لم تتم ازالتها بعد. انقاض مبنى البرلمان الجديد ازيلت وبعض من المبنى القديم من زمن المصريين تبقى شبه مهدوم.  المشاركون في مسيرة غزة تواجدوا هناك ليومين. يوم الجمعة كان يوم الذكرى الـ 45 لتأسيس حركة فتح. حكومة حماس لا تسمح للتنظيم الخصم بعقد الاجتماعات واللقاءات والاحتفالات (مثلما لا تسمح السلطة لحماس بذلك في الضفة). اسماعيل هنية هنأ فتح بعيدها وفي نفس الوقت قامت الجهات الامنية التابعة لحماس ببذل كل ما بوسعها لاخافة نشطاء حركة فتح من التفكير حتى بالاحتفال. مئات اعضاء فتح استدعوا الى محطات الشرطة ووضعوا في نوع من الاعتقال – غير الاعتقال – طوال عدة ساعات حتى المساء. رجال الامن دخلوا الى المنازل التي شهدت فيها شموع مشتعلة لاحياء يوم الذكرى او التي رفعت فيها اعلام حركة فتح. في احد منازل الفتحاويين التي اشتعلت فيها الشموع كانت هناك محاولة من رجال الامن لاعتقال اثنين من سكان البيت. الام حاولت منع عملية الاعتقال وهناك شك بأن احد عناصر الشرطة قد ضربها فأصيبت بنوبة في  القلب وماتت. تساءلت: هل كانت قيود الاتصال بالناس التي فرضتها اجهزة امن حماس امر من الاعلى ام تفسير غير ذكي من المستويات الدنيا للامر؟ هل تعتقد حماس بأنها قادرة على منع الزوار القلائل – المؤيدين الصارخين للفلسطينيين – من سماع روايات اخرى عن الواقع مغايرة لتلك التي تقدمها لهم؟ وهل لا يستوعب من اصدروا الامر الصورة السلبية التي تسببوا بنقلها؟ ام ان الامر فعلا خوف أمني؟ شبان عز الدين القسام الذين انشقوا وانتقلوا لمليشيا "الجلجلات" هم وجع رأس حقيقي، قال لي احدهم من غير المناصرين لحماس وهم ذريعة مريحة لتقليص الاتصال مع الناس العاديين. والخوف كان من ان يحاولوا المس بالضيوف من اجل الحاق الاذى بحماس. هؤلاء شبان متزمتون ينتقدون حماس الرسمية لانها لا تفرض الشرعية السلامية بصورة كاملة.  ملاحظة بعد يومين طولب الجميع بالرحيل بما في ذلك نحن الصحافيين الذين أملنا بالبقاء لفترة ما. على حد قول حماس هذا كان مطلب مصري صريح. الضباط المصريون اكدوا هذا الادعاء.