في مقابلة بذلها رئيس السلطة الفتلسطينية محمود عباس لصحيفة "هآرتس" (كانون الاول 2009) كرر موقفه السابق الذي يمكن بحسبه تجديد المحادثات بين اسرائيل والفلسطينيين بعد ان تجمد اسرائيل تماما اقامة المستوطنات في جميع انحاء الضفة الغربية وشرقي القدس. لكنه اضاف وقال بـ "استلال جديد ربما رمى الى ان يشير الى المرونة وقال انه يمكن بدء المحادثات من الفور بغير تصريح معلن عن التجميد ايضا. ليس الحديث في النظرة الاولى عن اقتراح جدي. فعباس يعلم جيدا أن التجميد السري للمستوطنات غير ممكن بالفعل. ومع الاخذ في الحسبان رد المستوطنين غير الممتنع – الذي عبرت عنه معارضتهم المستمرة للتجميد الجزئي والمؤقت الذي اعلنته حكومة اسرائيل – ومع الحضور المثقل للاعلام الدولي والاسرائيلي، لا يوجد اي احتمال الا تعلم محاولة ما لفرض تجميد كهذا، وينتج عن ذلك انه لا احتمال بان يكون تجميد "غير معلن" اقل اشكالا بالنسبة لحكومة اسرائيل من التجميد المعلن. التفسير الاكثر منطقا الذي يقبله العقل لهذه الزيادة المثيرة هو ان عباسا غير معني حقا بتجديد المحادثات – برغم ان هذا هو الرغبة الحماسية للولايات المتحدة والجماعة الدولية اللتين ما زالتا تنفقان على الحكومة وعلى قوات امنها – بيد أنه معني بان يعرض مرونة في ظاهر الامر كي يطرح المسؤولية عن عدم تجديد المحادثات على اسرائيل. الفرض الاساسي الذي يقوم وراء هذا التفسير هو ان تجديد المحادثات يتوقع ان يحدث تقدما ما يعرضه للاتهام بالضعف والاستسلام. خاصة في زمن عادت فيه حماس واجازت بتحد التزامها المطلق لمسار المقاومة التي لا هوادة فيها، او ان تجديد المسيرة سيصدق مرة اخرى عدم قدرة الاتصالات على البقاء، وهذا سيناريو سيؤكد موقف حماس ايضا. بحسب نهج التفكير هذا الذي تبنته حكومة اسرائيل في ظاهر الامر، يخاف عباس في الحقيقة جولة اخرى من المحادثات لكنه قد يستغل الانشغال الدولي بالمستوطنات لعرض العناد الاسرائيلي في هذا الموضوع على أنه العقبة الحقيقية التي تقف في وجه تجديدها. مع ذلك يمكن عرض تفسير ممكن آخر للمقابلة الصحفية: ففي حين ان التجميد غير المعلن هو مفارقة من جهة منطقية، يسعى عباس مع كل ذلك الى طريقة للنزول عن شجرة "الشرط السابق" الذي دفعه اليه المطلب الامريكي الاصلي في بدء السنة لتجميد مطلق للمستوطنات. كان هذا المطلب غير حكيم بمعنيين. الاول انه لم يكن واقعيا: فلم يكن له اضعف احتمال لان تستطيع حكومة اسرائيل استجابته بغير ضغط امريكي شديد قوي لا يمكن تقريبا تصوره من جهة سياسية. والثاني، وهو اشد تدميرا للمسيرة، ان هذا المطلب دفع عباسا الى الزاوية بان فرض عليه الا يطلب اقل مما طلب ادارة اوباما، لكنه ابقاه بغير قدرة على المناورة لان الرأي العام عنده – بخلافه عند اوباما – غير قادر على الاعتراف بضرورة سياسية وان يستوعب نتاج ذلك تفاهمات ما مع رئيس حكومة اسرائيل نتنياهو تقوم على استجابة جزئية. يحظى فرض ان عباسا يرى ذلك معضلة غير مريحة يهتم بالتهرب منها، بالتعزيز من تلقاء حقيقة انه نقل رسالته مباشرة الى الاسرائيليين بوساطة صحفي اسرائيلي وهذه خطوة لا تميزه على نحو عام. الفرض الذي يقوم وراء هذه الخطوة هو ان عباسا معني في الحقيقة وبصدق بتجديد المحادثات. على حسب هذا التفسير، يستطيع عباس أن يعايش الوضع الراهن بسبب تحسن الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية، وفي ضوء نجوع قواته الامنية وبسبب القدرة على المناورة في قضية الولاية (فهو لم يرجع عن التزامه عدم ترشيح نفسه في الانتخابات المقبلة للرئاسة، لكنه حصل على إذن منظمة التحرير الفلسطينية باطالة مدة ولايته الى ان يكون من الممكن اجراء انتخابات في موعد متأخر، ونجح في أن يلقي بتهمة التأجيل على حماس). مع ذلك يبدو أنه لن يمكن تأبيد هذا الوضع لان الشلل المتصل للمسار السياسي يضعف امكان البديل الاستراتيجي وشرعيته من موقف حماس، ويترك الاستقرار اليومي رهينة لاحداث غير متوقعة. ان مقرري السياسات في اسرائيل الذين يعارضون تجميدا تاما للمستوطنات – سواء اكان ذلك عن اعتراف حقيقي او بعد ان خلصوا الى استنتاج ان الثمن السياسي الداخلي والاجتماعي اعلى من المزايا الدبلوماسية الممكنة – يستطيعون بلا ريب ان يجدوا اساسا لتبني التفسير الاول للمقابلة التي بذلها عباس، وان يرفضوا اقتراحه على أنه حيلة بسيطة لدفع الدعوات الى اجراء محادثات بلا شروط سابقة. لكن المشتركين في الخوف من القدرة على البقاء في الوضع الحالي وهو وضع "لا حرب ولا سلام ولا محادثات" سيجدون سببا لفحص هل يوجد في تصريحه شيء ما. لان الضغط لتجديد المحادثات ولا سيما من قبل ادارة اوباما، سيجدد في شبه يقين في بدء 2010. كذلك قدرة السلطة الفلسطينية على الاستمرار على اداء عملها كما ينبغي – وهو أمر يعده كثيرون في المؤسسة الامنية الاسرائيلية مصلحة رئيسة لاسرائيل – قد تلقى تهديدا جديدا في صورة هجمات ارهاب، وتسرب للركود الاقتصادي العالمي، بل تعزيز مكانة حماس في اعقاب صفقة في شأن جلعاد شليت. لا يعني الامر ان اولئك الاسرائيليين الذين يرون تجديد المحادثات شأنا ذا الحاح ما يستطيعون الموافقة على طلب عباس في صيغته الحالية. مع ذلك قد يجدون في رسالته دليلا على رغبته في البحث عن سبيل محترمة لتجاوز العقبة الحالية، قد يكون ذلك في صورة تحقيق غير معلن لالتزامات مستمرة في موضوع المستوطنات (غير القانونية)، او في صورة التزام لرقابة دولية على وقف من الفور لكل نشاط بناء في جميع المناطق التي قد تنقل الى مجال القانون الفلسطيني مع الخضوع للتوصل الى اتفاق في المستقبل على الحدود، بغير صلة بالمدة التي سيحتاج اليها بالفعل لتحقيق اتفاق كهذا في المستقبل. قد يتبين ان هذه افكار عقيم. فبعد كل شيء امكانات "تربيع" الدائرة بطبيعة الامر متملصة. لكن عنصرا نافعا آخر قد يكون اعتراف ادارة اوباما ولو غير المعلن، بالحاجة الى الامتناع عن وضع عقبات في المستقبل في طريق التفاوض.