أنا مقتنع بان هذا حصل لكل صحفي، لكل أديب يعبر بشكل دائم في أمور الساعة: مرة في الاسبوع على الاقل يتوجه اليّ يميني معروف يحرك رأسه نفيا، ويتلفظ بابتسامة مصطنعة (يفترض بها أن تكون بداية انفتاح للخروج من وصمته الخالدة): "انتم وسائل الاعلام اليسارية ". ولا يمر ربع ساعة، حتى يتوجه اليّ رجل يسار نشيط، ويتساءل بغضب أديب (يفترض به أن يشرغ صورته اللينة): "كيف؟ كيف يمكنك ان تؤيد اليمين؟" وأنا أصمت. ذات مرة كنت أبرر نفسي. بعد ذلك شعرت أن هذا لا داعي له. ليس فقط لانهم لا يصدقوني واليميني يواصل الاشتباه باني يساري واليساري يواصل الخشية من ان يميني – بل لاني نفسي لم اصدق التبريرات التي خرجت على لساني. إذ حقا انا لست يساريا. كما أني لست يمينيا. هذا التقسيم عدمي في نظري بقدر لا مثيل له. الوحيدون الذين لا يزالون يؤمنون به هم متطرفو الكتلتين الآخذتين في الانقراض وهم لا يفهمون بانهم ينقرضون. اذا اصرينا على التعريفات، فيمكن القول اني "وسطي": انساني حقيقي، يفهم بان الصورة مركبة، بل ربما غير قابلة للحل في هذا القرن. أعتقد أن الفعل النذل الذي يرتكبه المستوطنون يفسد الحس الاخلاقي للجمهور بأسره ومسؤولون مباشرة عن التصعيد في الجريمة الجنائية وتدهورنا الروحي والمادي؛ ولكن اعتقد بذات القدر بان رأفتنا تجاه الفلسطينيين يجب أن تتوقف قبل الانثناء في الساحة، وان هناك حدود لاستخداماتهم الانتهازية، وان يدنا الممدودة عضت مرات عديدة. فهمنا، شكرا. لفرحتي، لست وحيدا في كفاحي العادل. منذ انهيار اوسلو، المفهوم "الوسطي" اصبح المفهوم المركزي. ليس لانه رائع جدا، بل العكس: هذا مفهوم اهون الشرور البائس الذي يميز من يخضع لوضع ثابت ممتد من انعدام المعرفة. كما أن هذا مفهوم تجاري بارد: انتقلنا من خيال الحمص في خانيونس الى الغازات التي بعده. ماذا يريدون، كم ولماذا، وماذا هم مستعدون لعمله في المقابل. من الخطأ التفكير بان الجمهور يؤيد "الدولتين" لرابين؛ انه يؤيد "اذا اعطوا فسيأخذون" لنتنياهو. وعندها جاء تايتل. تايتل ما من حرش ما، ليهز كل نظرية التوسط. فها هو اليمين حي قيوم، يركل ويطلق النار، ينتقم باسم "رب الجيوش"، يقتل العمالقة، بمعونة الاسم (لمرض نفسي ما لم يشخص في موعده). ليس ارمل اسرائيل. وسرعان ما سيهرع ايضا رجال اليسار ليثبتوا بان أملهم لم يتبدد، وهم يشمرون عن اكمامهم ويتوجهون الى المخرج الاخير المتبقي لهم: يوقعون على عريضة، واذا سمحت حالة الطقس يتظاهرون ايضا في جادة روتشيلد. للحقيقة، عمل تايتل لا يدل على الحيوية بل على اليأس. فهو لا يأتي انطلاقا من الامل، بل من قلب من معسكره آخذ في الانهيار امام ناظريه وكمخرج أخير يضيف الزيت الى الشعلة المنطفئة. من المشجع الاعتقاد بان هذا ليس سوى قصيدة ادعاء قاتمة من التطرف، ولكن عندنا كالمعتاد، كل شيء يعمل بالعكس، والطريقة المظلمة تنجح. هذا الاسبوع فقط تذكرنا رابين والخيانة الفظيعة ليغئال عمير. وكلما تمر السنين نفهم اكثر فأكثر، مما يخيفنا وعلى جلدتنا على ماذا ولماذا ابتسم.