ما زالت ردود الفعل الغاضبة من قطاعات شعبنا المختلفة تتفاعل فيما يتعلق بقرار السلطة الداعي إلى تأجيل البث في تقرير غولدستون بخصوص العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والذي اتهم قادة إسرائيل بارتكابهم جرائم حرب . فهناك حالة من الصدمة والذهول تجاه هذه الخطوة غير المبررة من قبل السلطة بالوقت الذي كانت هناك أغلبية ستصوت لصالح التقرير في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة فمن أصل 45 دولة كان سيصوت 37 دولة لصالح اعتماد التقرير على طريق رفعه إلى مجلس الأمن أو لمحكمة الجنايات الدولية . لقد انتظر شعبنا بكافة مكوناته وقواه السياسية والحقوقية والأهلية هذه اللحظة التي سيتحرك بها الضمير العالمي والمجتمع الدولي لملاحقة ومحاكمة قادة إسرائيل ،بالوقت الذي فشلت كافة الجهود السياسية والدبلوماسية من الحد من استمرارية العدوان الاسرائيلي بحق شعبنا وأرضنا ، وذلك عبر الاستمرار بالاستيطان وبناء الجدار وإقامة نظام من المعازل والكنتونات وتهويد القدس والامعان في حصار قطاع غزة وتحويله إلى معتقل كبير . لقد أضاعت السلطة بقرارها لخطة تاريخية ستتحول بها إسرائيل إلى " الجلاد " الذي يجب ردعه وفق القانون الدولي وآليات العدالة بالوقت الذي كانت تدعي بالسابق أنها " الضحية " . ولكن ومن أجل تدارك ما حصل وحتى لا يتم إضافة هذا الموضوع في إطار المساجلات والتناقضات الداخلية فلا بد من إجراءات عملية لتجاوز ما حدث ، فالبكاء على الحليب المسكوب ليس مفيداً في هذه الحالة ، بل أننا بحاجة إلى خطوات عملية لكي يبقى التقرير حياً وفاعلاً ويمكن استثماره لصالح شعبنا وقضيته الوطنية العادلة . هناك عدة خيارات للتعامل مع السلطة تجاه الخطيئة التي قامت بها . أعتقد أننا بحاجة إلى الإسراع في استعادة المؤسسة الوطنية الجامعة المجسدة ب م. ت . ف بعد أن يتم إعادة بنائها وتطويرها وإدخال كافة القوى غير الممثلة بها ، وذلك على أسس وطنية وديمقراطية ومن أجل تطويق المنهج السياسي الذي أدى إلى اتخاذ قرارات تأجيل البث في تقرير غولدستون ، حيث أن هذا الخيار هو الأفضل وطيناً بالوقت الذي تشهد الضفة وتحديداً القدس هجمة مسعورة ، فنحن يجب ان نوحد طاقاتنا في مواجهة الاحتلال وعدم تعزيز التناقضات الداخلية لتصبح رئيسية ، وعليه فإن أي حراك شعبي يجب أن يوجه إلى الاحتلال وفي نفس الوقت العمل على إعادة بناء الأداة الوطنية المعبرة عن حقوق شعبنا عبر ترتيب البيت الداخلي ومحاسبة أية من القادة الذين أساءوا لمسيرة هذا النضال سياسياً وإدارياً واقتصادياً . إن محاصرة نهج السلطة بات ضرورة وطنية بعد أن فشلت مسارات المفاوضات الثنائية ولم تستطع أن تحقق نتائج على الأرض بما في ذلك تجميد الاستيطان أو حتى رفع الحواجز التي تصل إلى أكثر من 600 حاجز بالضفة الغربية وبعد أن نمت مصالح لشريحة طبقية اقتصادياً واجتماعياً مستفيدة من بقائها بالسلطة والحكم وقد باتت في موضع الابتزاز من قبل الاحتلال ، لكي تضمن استمرارية مصالحها الاقتصادية . صحيح ان ما حصل هو خطيئة يصل إلى حد الجريمة الوطنية ولكننا يجب أن ننتبه من الخطر الأكثر شراسة ورئيسية والذي يكمن بالاحتلال والاستيطان وتهويد القدس ، حيث أن الحكومة اليمينية بإسرائيل تسير بتسارع في مخططاتها العدوانية بحق شعبنا ولرسم معالم الحل النهائي على الأرض وفق الرؤية الإسرائيلية التوسعية . هناك فرصة توفرت من خلال القرار الليبي برفع تقرير غولدستون إلى مجلس الأمن من الهام والضروري استثمار هذه الفرصة من قبل الجميع ، بما في ذلك السلطة وذلك من اجل استمرارية القضية وابقائها حية وفاعلة، فحتى لو قامت الولايات المتحدة باستعمال حق النقض الفيتو ، فإن إثارة التقرير ورفعه إلى مجلس الأمن سيبقى الرأي العام فاعلاً وسيبقى الأعين مركزة على قادة إسرائيل بوصفهم قاموا بأعمال ترتقي إلى جرائم الحرب بحق أطفال شعبنا أثناء العدوان الأخير والبشع الذي قامت به على قطاع غزة .