إفلاس لبنان... كيف حدث وماذا يعني للدولة والمواطنين ؟

الإثنين 04 أبريل 2022 06:02 م / بتوقيت القدس +2GMT
إفلاس لبنان... كيف حدث وماذا يعني للدولة والمواطنين ؟



بيروت/سما/

في تصريحات صادمة وقاسية للكثيرين في لبنان، ورغم التحذيرات المتلاحقة من الخبراء، أعلن نائب رئيس الحكومة "إفلاس الدولة والبنك المركزي للبلاد"، في خطوة تهدد أموال المودعين في البنوك وربما تدخل البلاد في نفق مظلم.


التصريحات التي صدرت مساء الأحد، تزامنت مع أنباء عن قطع صندوق النقد الدولي شوطا كبيرا لإطلاق خطة التعافي الاقتصادي والمالي في لبنان، الذي يعاني منذ سنوات تدهورا في نواحي الحياة كافة، ويشمل ذلك انهيار قيمة العملة وأزمة وقود وطاقة ونقص سلع غذائية ودوائية، علاوة على سلسلة من الاضطرابات السياسية والأمنية.


وقال نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي في تصريحات متلفزة، إن الدولة – بعد إفلاسها – ستضطر إلى توزيع الخسائر على الحكومة والمصرف المركزي والبنوك العاملة في البلاد والمودعين، ما يعني أن المواطنين الذين يحتفظون بأموالهم في البنوك سيخسرون جزءا منها على الأقل.

وأضاف: "لا توجد نسبة مئوية محددة، للأسف الدولة مفلسة وكذلك مصرف لبنان، ونريد أن نخرج بنتيجة، والخسارة وقعت بسبب سياسات لعقود، ولو لم نفعل شيئا ستكون الخسارة أكبر بكثير".


وتابع: "هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها ولا يمكن أن نعيش في حالة إنكار ولا يمكن أن نفتح السحوبات (المصرفية) لكل الناس وأنا أتمنى ذلك لو كنا في حالة طبيعية".
وقال تقرير لوكالة الأنباء الألمانية "دبا" الاثنين، إن وفدا من الصندوق يزور لبنان حاليا، عقد اجتماعا مع الهيئات الاقتصادية، سعيا للتوصل إلى اتفاق إطاري قبل الانتخابات النيابية.


الشامي ذكر في حديثه أن لبنان يخوض المفاوضات بالفعل مع الصندوق ويتواصل معه بشكل يومي، حيث وصل إلى بيروت بعثته الأكبر إلى البلاد على الإطلاق، مضيفا أنه المحادثات حققت بالفعل تقدما كبيرا.


وأشار إلى أن الجولة الحالية من المحادثات والتي يأمل أن تثمر اتفاقا، تركز على إصلاح القطاع المصرفي وإعادة هيكلته، والسياسة المالية المتوازنة لخدمة الدين العام، وإصلاح القطاع العام والكهرباء، وتوحيد سعر الصرف.


وذكرت صحيفة "الجمهورية" اللبنانية، وفقا لمصادر اقتصادية، أن بيروت سيكون عليها تحقيق 5 شروط أساسية قبل موافقة صندوق النقد على تقديم الدعم، وهي إقرار مشروع ضوابط رأس المال أو ما يعرف بـ"الكابيتال كنترول".


وبعد ذلك، يتوجب وضع خطة للتعافي الاقتصادي، وإقرار مشروع الموازنة العامة، وتعديل قانون السرية المصرفية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

وكالة "بلومبيرغ" أكدت الأنباء، بنقلها عن مسؤول كبير قوله إن لبنان قد يكون أقرب من أي وقت مضى لكسر الجمود المستمر منذ عامين في محادثات مع صندوق النقد الدولي، وهي خطوة يمكن أن تساعد في وضع حد لواحدة من أسوأ الأزمات المالية في العالم منذ أكثر من قرن.


ووصل المفاوضون بالفعل إلى مرحلة متقدمة في رسم ملامح خطة التعافي الاقتصادي والمالي، لكن أمور مثل كيفية توزيع الخسائر بين الأطراف المعنية (الحكومة والبنك المركزي والمصارف والمودعين)، لم تتضح بعد.


وعند تجاوز كل ذلك، وحال التوصل إلى اتفاق نهائي مع الصندوق، سيكون تقديم الدعم موزعا على مراحل مقترنة بإقرار الإصلاحات والشروط المتفق عليها. قد يصل حجم المساعدات الإجمالي إلى 16 مليار دولار بحسب "بلومبيرغ".


في النهاية ورغم خسائر المودعين والمقرضين والوقع القوي لكلمة "إفلاس الدولة" فإن هذه قد تكون الخطوة المناسبة لتصحيح سنوات طويلة من الإخفاق، بيد أنها لن تكون سوى استشراف لعنق الزجاجة، أما محاولة العبور فهي المرحلة التي ربما يبدأ فيها الألم الحقيقي قبل التعافي.


ماذا يعني إفلاس الدول؟
هناك عدد من العوامل الاقتصادية التي يمكن أن تدمر اقتصاد أي دولة، مثل السياسات المالية للحكومة والظروف الخارجية (الحروب والأوبئة والأزمات العالمية)، لكن عادة ما ينظر إلى السياسة النقدية بأنها السبب الأكثر تأثيرا.
عمليا، لا تفلس البلاد مثل الأشخاص أو الشركات، بحيث يمكن تفكيك الأصول وبيعها لسداد ديون المقرضين، ومع ذلك فإن الأمر معقد بعض الشيء.


الإفلاس، يعني انقطاع أسباب الدخل وخسارة جميع المدخرات المالية التي يمكن للشخص المثقل بالديون أن يدفع من خلالها التزاماته (فوائد الديون وأصل الديون).


لكن الدول هي ما يطبع الأموال ويمكنها عند مرحلة من الضغوط أن تزيد وتيرة طباعة هذه النقود لسداد التزاماتها المالية بالعملة المحلية (للبنك المركزي والبنوك العاملة في البلاد)، وهو خيار صعب للغاية حيث يتسبب في انفلات التضخم وتآكل القوة الشرائية للعملة، لكنه يظل خيارا رغم كل شيء.


المعضلة الأساسية تكمن في كيفية سداد الديون الخارجية المقومة بالعملة الأجنبية، فمثلا في حالة لبنان، لا يمكن للبلاد ببساطة أن تطبع الدولار أو أي عملة أخرى غير وطنية لسداد التزاماتها أو شراء احتياجاتها.
وهنا تضطر الدول إلى إعادة هيكلة الديون وبناء خطط التعافي بالتشاور مع المانحين الدوليين (مثل صندوق النقد) لضمان قدرة البلاد على السداد مستقبلا وعدم ضياع أموال المقرضين مرة أخرى.

مآساة تاريخية في لبنان
الاقتصاد اللبناني يعاني تضخما مفرطا مع انخفاض العملة بعد أن تخلفت الحكومة عن سداد ديون دولية تزيد على 30 مليار دولار، وبلغت خسائر النظام المالي للبلاد 69 مليار دولار.


وانهارت الاحتياطيات الدولية للبلاد بأكثر من الثلث في عام إلى أقل من 12 مليار دولار في الوقت الذي تواجه فيه صدمة تضخم أخرى من ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة.
بدأ لبنان محادثات الإنقاذ مع صندوق النقد الدولي بعد التخلف عن سداد ديونه وصاغ خطة لإعادة هيكلة رصيد ديونه بالكامل الذي يزيد على 90 مليار دولار، وهو ما كان سيقضي إلى حد كبير على رؤوس أموال البنوك في البلاد.


توقفت المحادثات في السابق بعدما شن المقرضون المحليون والبنك المركزي، أكبر حاملي الديون في البلاد، حملة من أجل نهج مختلف لتقييم الخسائر وتوزيعها.
يحتاج لبنان لمساعدة الصندوق لدعم مهمة للحكومة التي تسمح لعملتها بالانهيار بعد تضاؤل ​​التدفقات الدولارية في عام 2019. كان النظام المصرفي في أزمة منذ ذلك الحين، مع فرض ضوابط فعلية على رأس المال لكن دون أي دعم رسمي.


ويقول كبير الاقتصاديين في بنك "عودة" مروان بركات: "بدون اتفاق، لبنان مهدد بتدهور اقتصادي أكثر حدة هذا العام، وقد يشهد المزيد من الانخفاض في قيمة العملة بعد أن خسرت بالفعل 90% من قيمتها. ستكون الفوضى على كل الجبهات".

العلاج المر
أحد المطالب الحاسمة لصندوق النقد الدولي هو قانون ضوابط رأس المال الذي ينظم عمليات السحب والمدفوعات والتحويلات إلى الخارج، والذي يتعرض للانتقاد من قبل كثيرين - جنبا إلى جنب مع خطة إصلاح لقطاع الطاقة وميزانية الدولة لعام 2022.


أقرت الحكومة بالفعل خطة لإصلاح شركة الكهرباء غير المربحة، وينظر المشرعون في مشروع قانون بشأن وضع ضوابط رسمية على رأس المال، كما يجري العمل على برنامج للتعافي الاقتصادي من شأنه أن يساعد في معالجة خسائر القطاع المالي.


لسد الفجوة، تقترح الخطط، خفض ما قيمته 100 مليار دولار من الودائع المصرفية إلى أقل قليلا من النصف (بغرض تحويلها إلى العملة المحلية)، وإصدار سندات دائمة عبر شركة لإدارة الأصول.


رفضت البنوك في السابق إمكانية تقليص قيمة الودائع وطالبت الدولة بسداد ديونها للبنك المركزي، لتعويض جزء من 80 مليار دولار مستحقة للمقرضين التجاريين. لكن الآن، من المرجح أن تتبنى البنوك مسارا مختلفا مع تعمق الأزمة.