أصبح من قبيل الكلام المكرور أن نتحدث عن حقيقة سلطة الحكم الذاتي المنشأة بموجب اتفاق أوسلو سنة 1993 ، وعن تلك القيود السياسية والأمنية والارتباطية المالية بالاحتلال ، ولما سمي ويسمى منذ سنوات ، بدول أوروبا المانحة أو المانحين الأوروبيين . إنها مسلمة واقعية وبراغماتية لمن يتغنى دائما بالواقعية السياسية ، أن السلطة الفلسطينية بفلسفتها الحاكمة وهيكليتها الناظمة ، لا يمكن لأي اقتران بها من أي نوع كان إلا أن يؤدي إلى احد مسارين ؛ فاقتران بها لابد وان يؤدي إلى تقديم كل ما تطلبه (إسرائيل) ورعاتها الأمريكيين والأوروبيين ، من اعتراف بالدولة العبرية أو ربما الدولة اليهودية حسب متطلبات انابوليس الجديدة . وإما اقتران يؤدي إلى قتال وحصار ومحاولات تدمير الجهة المقترنة ( بكسر الراء ) من قبل كل المشتركين في تأسيس سلطة الحكم الذاتي ورعايتها ، وان اختلفوا فيما بينهم أدوارا ، ولو استهدافا للسلطة نفسها ، كما استهدفتها )إسرائيل( في اجتياح السور الواقي 2002 . والفيصل في كل هذا من جهة أولئك المشتركين في تأسيس سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية موقفا ، هو الموقف الواضح والجلي في باب التمسك أو عدم التمسك بحقوق وثوابت الشعب الفلسطيني ، من قبل هذا الفصيل أو تلك الحركة الراغبة ، ومن ثم الداخلة في مشروع سلطة الحكم ذاتها. هذه باختصار هي معادلة السلطة الواقعية ، ودون محاولات الحديث والتبرير عن إمكانية دخولها ، ومن ثم جهد العمل الوطني المخلص لتغيير فلسفتها أو تطوير هياكلها الأمنية والإدارية والمدينة بما يلتقي مع المصالح الفلسطينية العليا . وهذه السلطة ومن خلال تجربة حماس في الدخول إلى أطرها وتحديدا المجلس التشريعي ، وتجربة تشكيل الحكومة العاشرة بثوابت حماس الوطنية ، أو الحكومة الحادية عشرة الوحدوية ضمن ما تم توليفه وحشره في إطار برنامج توفيقي بين قادة السلطة الرسمية و حركة حماس ، ثبت في النهاية أن أي مشروع وطني حقيقي لا بد له أن يتجاوزها( أي السلطة) نهائيا فلسفة وتشكيلة ووجودا ، إذا تعلق الأمر بحقوق وثوابت الشعب الفلسطيني ، فالمواقف المبدئية الوطنية ، وحراك العمل من خلالها يبدو أكيدا أنها لا تعرف أنصاف الحلول ، وحديث التقية عن مدى الالتزام أو الاحترام لالتزامات منظمة التحرير الفلسطينية بشأن علاقتها الاتفاقية مع (إسرائيل) . ورغم أن الكاتب وهو باحث أساسا في المجال القانوني والسياسي انبرى يوما ليفرق بين الاحترام والالتزام في سياق لغوي مجرد، واصطلاحي سياسي وقانوني ، لقناعته العلمية والمعرفية بوجود فرق ما جوهري بينهما . وعلى أية حال ، ولان السلطة على الحقيقة السياسية والأمنية التي يدركها المختص السياسي وحتى المراقب العادي ، يتأكد لنا مليا فقه التدافع المحتوم بين تيار المقاومة والتزاماته في غزة وبين تيار المفاوضة مع (إسرائيل) وارتباطاته المعروفة ، وهو ما لم يكن من مفر منه حسما سياسيا وامنيا شاملا في سياق التعامل المجمل مع سلطة حكم ذاتي ورموزها المسيطرين في السياق الأمني أساسا . كان السياق الذي قبل به المشرفون والمؤسسون لسلطة أوسلو، بل وترحيبهم بدخول حماس والجهاد التي رفضت الدخول في ما سمي العملية الديمقراطية في انتخابات يناير كانون الثاني 2006 ، هو توقع هؤلاء المشرفين والمؤسسين لسلطة أوسلو فوز تيار المفاوضات الفلسطيني بنسبة كاسحة أو بأغلبية آخذة للقرار المصيري ، لصالح تسوية مع (إسرائيل) على المقاس المراد من الجهات الفارضة لشروطها في السياسة والأمن والاقتصاد ، ولمّا لم يتحقق هذا المراد كانت الحرب والمعارك السياسية والأمنية والاقتصادية ضارية من كل اتجاه على حماس،وعلى الإرادة المنتخبة(بكسر الخاء) لها . وها هي المعادلة تعود من جديد ، في محاولة للتأكيد على طبيعة وماهية ومخرجات الارتباط مع سلطة أوسلو ، فالرئيس الفلسطيني محمود عباس أصبح هدفه النهائي هو إجراء الانتخابات في يناير كانون الثاني 2010 ، ولو كان إجراؤها واقعا فقط في أراضي الضفة الغربية المحتلة دون قطاع غزة ، من اجل العودة الانسجامية بين سلطة أوسلو ورموزها قابلي شروطها ومقيداتها الإسرائيلية والأمريكية ، ولهذا أعلن الرئيس عباس عن استعداه لتلبية كل مطالب حماس ، بشرط إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة في يناير كانون الثاني 2010 . أمل سلطوي رسمي جديد بالفوز بالانتخابات الثالثة ولو على أنقاض شعب منهك بالحصار والدمار ، لأنه أكد إرادته الطبيعية بتمسكه بحقوقه وثوابته سواء مثلتها حماس أو غير حماس ، ولو بانتخابات تجرى في الضفة الغربية وحدها ، وهو أمر ليس بمستغرب ، في ظل جملة الانفراديات التي تقوم بها سلطة رام الله حتى في مواجهة شركائها الأصليين والتاريخيين ؛ فمن عقدٍ لمؤتمر فتح بمدينة بيت لحم ، إلى إجراءات أحادية في التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية ومع أهم إطارين فيها المجلس الوطني الفلسطيني واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية . وكل هذا لأجل إزالة كل المشاهد السياسية والحركية لصالح مشهد سياسي يخدم فلسفة السلطة ومعامل الحراك فيها ، تقيدا وانضباطا لشروط البقاء المصلحية والنفعية لرموز وقيادات قدمت كل ما تطلبه (إسرائيل) من اشتراطات وتنازلات مسبقة ، حتى لم يتبق عندهم شيء يتنازلون عنه ، كما قال كبير المفاوضين صائب عريقات يوما ما . ويبقى أمام حماس وكل فصيل فلسطيني مقاوم، وكل جماعة وطنية فلسطينية تعمل من اجل المصلحة الحقيقية لفلسطين وقضيتها ، أن تعلن موقفها الحقيقي من سلطة الحكم الذاتي ، إعلانا واضحا وفاصلا بين كون السلطة مشروعا وطنيا أو غير وطني ، ويكون بعده الأمر أيضا واضحا وفاصلا بشأن الموقف من أي انتخابات قادمة بالدخول في غمارها أو عدم الدخول. محام وناشط حقوقي