خبر : أزمة مفتعلة .. وتنازلات جدية!!..هاني حبيب

الأربعاء 09 سبتمبر 2009 10:33 ص / بتوقيت القدس +2GMT
أزمة مفتعلة .. وتنازلات جدية!!..هاني حبيب



"أزمة مفتعلة" هكذا وصفت وسائل الاعلام الاسرائيلية الجدل الدائر بين الادارتين الأميركية والاسرائيلية حول قرار حكومة نتنياهو بناء مئات الوحدات السكنية في الضفة الغربية والقدس، وعندما نشرت صحيفة "معاريف" تفاصيل هذه الأزمة المفتعلة بعنوان عريض على صفحتها الاولى يوم الاحد 6/9/2009، اعتبرت ان الأمر مجرد محاولة للايهام بأن واشنطن تتساوق مع اسرائىل بشأن العملية الاستيطانية، أي مجرد علاقات عامة لاظهار حكومة نتنياهو وكأنها تتعاون مع ادارة أوباما بشأن الاستيطان بخلاف كل ما ينشر حول هذه المسألة، إلى ان استمعت إلى الناطق بلسان الخارجية الأميركية ايان كيلي في مؤتمر صحافي في اعقاب صدور بيان من البيت الأبيض يشير فيه إلى امتعاضه وعدم رضاه عن استمرار البناء في المستوطنات، في اعقاب قرار حكومة نتنياهو بهذا الشأن حينها أدركت ان ما نشرته معاريف كان الأقرب إلى الصحة منه إلى العلاقات العامة. في المؤتمر الصحافي المذكور للناطق باسم الخارجية الاميركية، تهرب ايان كيلي من الاسئلة الحادة والمباشرة التي سألها المراسلون بهذا الشأن، فقد سأله مراسل CNN فيما اذا كانت واشنطن قد تلقت من اسرائىل عن نواياها باقامة مستوطنات جديدة، كان الرد "ان واشنطن تأسف لهذا القرار" اي ان الناطق تهرب من الاجابة، وهو الأمر الذي استغله المراسلون للضغط باسئلتهم من جديد: هل كان اللقاء بين ميتشل والمسؤولين الاسرائيليين مؤخراً، جيداً، وهل هدد ميتشل من التقى بهم برد فعل أميركي قوي اذا قامت اسرائىل باقرار بناء مئات الوحدات الاستيطانية الجديدة، هل كان ميتشل يعرف مسبقاً بالقرار الاسرائيلي؟ كان رد كيلي ان هناك حواراً مفتوحاً مع الاصدقاء الاسرائيليين (!) قرأت فيما بعد بعض التعليقات على هذا الحوار، مفاده ان اسرائىل تبصق على إدارة أوباما وممثليها، والتساؤل الأهم في هذا السياق، لماذا يلتقي بهم ميتشل اذا كانوا يبصقون عليه كل مرة؟!بات من الواضح، في ظل المعطيات الاعلامية على الاقل، ان واشنطن غير راضية عن الاجراءات الاستيطانية الاسرائيلية، وانها كانت تعلم، بما عرفه الجميع بأن حكومة نتنياهو ماضية في اقرار سلسلة من قرارات "البناء في المستوطنات" وبمئات الوحدات السكنية في القدس والضفة الغربية، والأكثر وضوحاً من كل ذلك، ان الولايات المتحدة ما كان بإمكانها الضغط على اسرائيل بهذا الشأن، وحتى انها لم تتمكن من اقناعها بضرورة عدم الاعلان عن هذه القرارات والابقاء عليها سرية، كما كانت تفعل حكومات اسرائيل السابقة، وباختصار، فان أوضح ما يمكن استنتاجه، ان واشنطن عاجزة عن مسح البصاق الاسرائيلي من على وجهها!! لقد وضعنا مصطلح "البناء في المستوطنات" بين مزدوجين، لاننا نعتقد ان هذا مصطلح مخادع الى حد كبير، فالبناء لا يتم "في" المستوطنات، وفقاً للمصطلح الاسرائيلي الذي نتناقله بدون تدقيق، القرارات الاخيرة، تقوم على البناء خارج المستوطنات القائمة فعلاً، مع ان كليهما يتعارضان مع القرارات الدولية، لكن حكومة نتنياهو تسعى للقول بأن هذا البناء "في" المستوطنات تم اقراره منذ زمن بعيد في ظل كافة الحكومات الاسرائيلية السابقة، وانه ليس هناك توسيع للاستيطان، وهو أمر غير صحيح! كذلك، مررت حكومة نتنياهو مصطلحاًمخادعاً آخر، وهو "تجميد" الاستيطان، وقد تناولنا هذا المصطلح بشكل متكرر، وكأنه بمثابة "وقف" للاستيطان، الرئىس أبو مازن يستخدم حيناً تجميد الاستيطان، وأحياناً أخرى وقف الاستيطان، وكأنهما مترادفان في حين انهما ليسا كذلك البتة، والفرق واضح ولا يحتاج إلى خبير لغوي للتفريق بينهما، وعندما تقرر السلطة الوطنية عدم استئناف العملية التفاوضية، بدون الالتزام بخارطة الطريق فيما يتعلق بوقف الاستيطان، فان الحديث عن "تجميد" الاستيطان في هذا السياق يعتبر مخالفة لخارطة الطريق التي تدعو سلطتنا الوطنية إلى الالتزام بها! واليوم مساء، يعقد في مبنى الجامعة العربية في القاهرة، الاجتماع الدوري لمجلس الجامعة، والذي من المرجح ان يكرر الدعوة لدعم رؤية أوباما ومساعيه من اجل استئناف العملية التفاوضية، بين اسرائىل وفلسطين، ويكرر قراره الذي اتخذه في اجتماع استثنائي في حزيران الماضي بهذا الشأن، والذي كان بداية للحديث عن خطوات عربية لتعزيز الثقة مع اسرائيل من خلال الاقدام على مبادرات تطبيعية جزئية (!) الأمر الذي يعتبر خروجاً رسمياً عن أهم ما جاء في المبادرة العربية التي ترهن التطبيع مع التوصل إلى اتفاق نهائي مع اسرائيل، على مختلف المسارات وقيام دولة فلسطينية مستقلة بعد الانسحاب الاسرائيلي الكامل والشامل من الاراضي العربية المحتلة العام 1967. الآن، اتخذ نتنياهو قراراته بشأن البناء الاستيطاني في القدس والضفة الغربية، واذا ما تم التوصل إلى خطوات عربية تطبيعية، جزئية على الأقل، فانه بامكان حكومة نتنياهو ان تتخذ قراراً جديداً بتجميد هذه القرارات، وبقول آخر، فان نتنياهو اشعل حريقاً حتى يطفئه بنفسه، اتخذ قرار البناء الاستيطاني، ليقول ان بالامكان اتخاذ قرار بتجميده في ظل الانصياع العربي لاشتراطاته الخاصة بالتطبيع الجزئي، كلاعب مكشوف بعنصر الزمن وعلى رؤوس الاشهاد، واذا كان المراسلون الاميركيون قد وصفوا العلاقة بين ادارة نتنياهو وادارة أوباما، بأنها علاقة بصاق من الجانب الاول، فماذا يمكن ان نوصف هذه العلاقة بين قرارات نتنياهو الاستيطانية والموقف العربي؟!! يمكن تفهم الموقف العربي الداعي الى دعم رؤية ومواقف الادارة الاميركية برئاسة أوباما فيما يتعلق بالعملية التفاوضية، ولكننا نفهم ذلك في سياق مختلف، اذ اننا نعتقد ان دعم رؤية أوباما عربياً، تتأتى من خلال تصليب الموقف العربي لدعم أوباما لدى الاقدام على خطوات ضغط، في مواجهة التعنت الاسرائيلي، ولا نفهم هذا الدعم من خلال الاستجابة للاشتراطات الاسرائيلية، وكان ذلك يخدم الموقف من رؤية أوباما، وها نحن نرى على الأرض الفرق بين هاتين الطريقتين في دعم الموقف الاميركي، فاستجابة العرب، اضعفت من قدرة واشنطن على الضغط على اسرائيل، وفقاً لمعادلة باتت معروفة، مزيد من الاجراءات، يقابله مزيد من الاستجابات، ما يشجع على مضاعفة الاجراءات وتقبل المزيد من التنازلات، هذا هو الموقف الآن على ضوء ما يمكن ان يخرج به مجلس الجامعة العربية هذا اليوم في القاهرة!!