واشنطن وداعش والتحديات الاستراتيجية.. عودة الارهاب..أمجد إسماعيل الآغا

الثلاثاء 12 مايو 2020 01:58 م / بتوقيت القدس +2GMT



انطلاقاً من جوهر الاستراتيجية الامريكية حيال الشرق الأوسط، يبدو أن المنطقة مُقبلة على صراع جديد عنوانه عودة داعش، وبعبارة أوضح، يبدو أن ورقة الجماعات الإرهابية ستعود لتدخل في البازار السياسي والعسكري، وفق مُعطيين:
**المُعطى الأول- العراق: حقيقة الأمر هناك تساؤلات جمة تتمحور حول عودة داعش إلى العراق وتحديداً في هذا التوقيت، فضلاً عن تكثيف الهجمات ضد الحشد الشعبي؛ يأتي ذلك تزامناً مع الجهود السياسية العراقية الباحثة عن سُبلٍ للتوصل إلى تشكيل الحكومة العراقية.
في هذا الإطار، يُمكننا أن نُسلط الضوء على العمليات الإرهابية التي تحدث قبيل أي استحقاق سياسي في العراق، ما يعني أن هناك ارتباط واضح ووثيق، بين خطوات العمل السياسي في العراق سواء تشكيل حكومي أو برلماني جديد، وبين عودة الإرهاب.
بموضوعية، لا نُجافي الحقيقة إن قلنا أن هناك جهات إقليمية ودولية تستخدم الارهاب كورقة ضغط تدخل في سياق القرار السياسي، فـ قضية تسلل أيادي القوى الاجنبية وعلى رأسها امريكا الى المناصب الحكومية ليست غامضة على أحد، بل الجميع يُقر بذلك، كما أن عملية ارضاء هذه الجهات السياسية على اختلاف ولاءاتها، من كبرى المشاكل التي يواجهها كل رئيس وزراء مُكلف قبل تقديم وزارته للبرلمان.
هناك أيضاً سبب رئيسي في تزايد نشاط الارهابيين في الوقت الراهن، لجهة التأثير في سياق القرار السياسي، حيث أن البرلمان العراقي صوت على اخراج القوات الأجنبية من البلاد، ومن الطبيعي أن هذا القرار الذي اتخذه البرلمان بعد استشهاد القائدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس ورفاقهم، لم يرق لواشنطن، لذلك فإن ادارة ترامب تبذل ما في وسعها لعرقلة تنفيذ هذا القرار.
جُملة ما سبق في المُعطى الأول، يقودنا إلى نتيجة مُفادها، ان القوات الاميركية تسعى جاهدة للبقاء في العراق، واستخدام “داعش” لتحقيق هذا الهدف، ما يعني في المقابل، عودة المشهد في العراق إلى حالة من عدم الاستقرار والتشظي على المستويات السياسية والعسكرية والأمنية.
**المُعطى الثاني- سوريا: لا يُنكر أحد من المتابعين للتطورات السورية، أن الدولة السورية تمكنت وعبر خطوات سياسية وعسكرية متسارعة، من تقويض الخطط الأمريكية في كثير من المسارات، ولعل مسرحية محاربة داعش بالذرع العسكري لـ واشنطن “قسد”، قد كُشفت فصولها وباتت واضحة للجميع، فـ بؤر داعش تنشط انطلاقا من أماكن تواجد القوات الامريكية، إذ من الواضح أن حراك داعش في سوريا ينطلق من شرق الفرات، عبر جيوب مبعثرة ومنتشرة ولا يُسمح لأحد الاقتراب منها.
في جانب أخر، لوحظ مؤخراً حركة الفرار الواسعة من سجون قسد، التي يقبع بداخلها قادة وعناصر داعش، فضلاً عن قيام مروحيات أمريكية بنقل هؤلاء إلى وجهات مجهولة في عمق البادية السورية، ما يعني صراحة أن حالة الاستثمار بالعناصر الارهابية عادت إلى الواجهة من جديد.
ما بين المعطى الأول والثاني، من الواضح أن أهداف واشنطن في سوريا، تختلف في المضمون عن أهدافها في العراق، نتيجة لذلك يُمكننا استنتاج أمرين:
**الاول- تسعى واشنطن من خلال هندسة مشهد الارهاب في سوريا، إلى منع الدولة السورية من توسيع نطاق سيطرتها في شمال شرق سوريا، فضلاً عن المحاولات التي تسعى من خلالها واشنطن، إلى الإبقاء على عوامل الضغط الميداني تُجاه روسيا، ومحاولة عرقلة جُملة الاتفاقات التي حصلت مؤخراً بين دمشق وكردها، وفي هدف أبعد من ذلك، تسعى واشنطن إلى منع الدولة السورية من الاستفادة من الثروات النفطية، بما يؤسس لجملة من الضغوط الاقتصادية على الدولة السورية، يمنعها من تأسيس واقع اقتصادي ايجابي، الامر الذي يُمكن ترجمته عبر حالة من السخط الشعبي ضد الدولة السورية. وفي جُزئية جغرافية، تحاول واشنطن كسر الجغرافيا السورية العراقية، لمنع لتشبيك بين دمشق وبغداد وضمناً إيران.
**الثاني- تسعى واشنطن إلى ضرب بنية المقاومة في العراق، الامر الذي سيكون له منعكساته على عموم محور المقاومة، وفي جانب أخر فإن تعزيز القوات الأمريكية في العراق ورفدها بعناصر إرهابية من داعش، يمنع حُكماً الترابط الجغرافي والميداني بين طهران وبغداد ودمشق؛ هذا الأمر سيُعزز الفوضى وعدم الاستقرار في العراق، وهذا هو جوهر الهدف الأمريكي، ما يعني من الناحية العملياتية، أن داعش في الفترة المقبلة، سيكثف من هجماته ضد المدنيين والمدن العراقية، وسيتم تقديم مساعدات امريكية لتمكين داعش من بسط سيطرته على بعض القرى وربما بعض المدن العراقية، وبهذا تستحوذ واشنطن على ورقة سياسية تُجيز لها التفاوض بقوة على بقاء قواتها في العراق.
صفوة القول، ما بين العراق وسوريا، تسعى واشنطن إلى المحافظة على توجد استراتيجي مُتعلق بضبط عمليات التوصل بين أركان محور المقاومة، فضلاً عن الامساك بمفتاح جغرافي يُتح لها الضغط على ايران وسوريا والعراق، وكذا روسيا، الامر الذي يشي بسيناريو يكاد أو يكون بوابة لعودة مشاهد الدم والخراب في المنطقة؛ كل ذلك برعاية أمريكية صِرفة، لكن ضمن هذا المشهد، لا شك بأن استراتيجية محور المقاومة تملك من الخطط ما يُمكنها من الالتفاف على المشهد الأمريكي المُراد هندسته في المنطقة، عطفاً على الخبرات القتالية التي راكمها محور المقاومة، والتي ستوظف في أي مواجهة مع الأصيل الأمريكي أو وكيله داعش.
كاتب سوري